مقالات الرأي

ما العمل إذن

سؤال يطرحه كثيرون، بل إن الواقع يقحمه بقوة على قوى وأطياف المعارضة والفصائل العسكرية المختلفة، وهيئات المجتمع المدني: ما العمل إذا فشل الحل السياسي؟ وما دام أن الحسم العسكري ممنوعًا، أو غير قائم حاليًا؛ فما المخرج؟

أثبتت مسارات الثورة أن الحل العسكري مرفوض من معظم هيئات المجتمع الدولي، ونخصّ الفاعلة منها، والمحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، وعلى رأسها الإدارة الأميركية السابقة، والحالية كذلك، إلى الآن.

وكان واضحًا حين كان النظام على حافة الانهيار والسقوط (أواخر عام 2012، و2013) أنه لا توجد إرادة دولية بتمكين المعارضة من مواصلة فعلها حتى إنهاء النظام عسكريًا، أو بالقوة.

لقد تدخّلت إيران بكل قوتها لمنع سقوط النظام، وأبلغته بصريح الدعم أنها مستعدة لتقديم كل أشكال العون ليبقى مستمرًا، فكان تدخل المليشيات السافر والقوي، خاصة حزب الله، والدعم اللوجستي والتسليحي، وبالخبراء والقادة العسكريين، ومزيد من السلاح والدعم الاقتصادي، وقد شكلت معارك القصير بدايات التحوّل في ميزان القوى نحو نوع من التوازن، ثم بدأ الرجحان لصالح النظام وحلفائه.

في حين رفضت الإدارة الأميركية تقديم السلاح النوعي للمعارضة الذي يمكن أن يخلّ بالتوازن، ويمكنها من إيقاف براميل الموت وصواريخ التدمير، وكذلك الأمر في فرض حظر للطيران، أو إيجاد مناطق آمنة، ولم تكتف بذلك، بل ضغطت على حلفائها وبقية أصدقاء الشعب السوري؛ لمنع تقديم سلاح نوعي، أو تجسيد طروحاتها، خاصة تركيا، في توفير مناطق آمنة، أو التدخل المباشر، وبما أكدّ أن تلك الإدارة الأميركية المتناغمة مع السياسة الصهيونية ترفض إيقاف النزيف السوري، أو أنها لا تريد التدخل الفاعل إلا بعد أن تصل الأمور إلى مستوى معين من الدمار، والشروخ العمودية.

واستنادًا إلى إشكاليات العمل المسلح، من حيث تعدده، وتوزعه إلى مئات الفصائل، وخضوع كثير منها للجهات الداعمة وسياساتها الرافضة لوحدة العمل المسلح وإلحاقه بالقيادة السياسية، أو لتشكيل جيش حر حقيقي، ومهني، وغلبة الأسلمة السياسية، براياتها المتعددة وتخومها المختلطة مع التشدد والتطرف، وعلاقاتها بمنظمات موصوفة على أنها إرهابية، وتابعة للقاعدة، وأثرت هذه التحولات في الحاضنة الشعبية، وفي جوهر أهداف الثورة، ومسوغات قيامها، ثم الاحتلال الروسي المباشر، المترافق مع دخول عشرات المليشيات الطائفية التابعة لإيران، ووجود إيران العسكري، وإن بأزياء خبراء ومستشارين، أو عبر بعض أسماء تلك المليشيات.

فإن حسم المعركة مع النظام عسكريًا بات ضربًا من المستحيل. على العكس، فإن تلك الحشود الكثيفة من القوى الداعمة للنظام وعلى رأسها الاحتلال الروسي، واستخدامه أسلحة متطورة جدًا ومحرّمة، والأرض المحروقة التي استهدفت البنى التحتية والحاضنة الشعبية بالأساس خلق وضعًا جديدًا لا طاقة للفصائل العسكرية به، فاختلّ ميزان القوى اختلالًا واضحًا لصالح تلك الجهات، وتراجع الفعل العسكري المحسوب على المعارضة، وكان الخروج من حلب انعطافًا مهمًا، وبداية مرحلة جديدة.

* * *

في الوقت نفسه، وعلى مدار سنوات ما يدعى بالحل السياسي، وحضور جولات جنيف، وصولًا إلى الرابعة؛ لا يبدو أن هناك أفقًا عمليًا لحل سياسي حقيقي، يستجيب للحدود الدنيا من مطالب الشعب السوري في تغيير النظام والانتقال إلى نظام آخر تعددي.

لقد حدثت انزياحات واضحة في العامين الأخيرين، تصبّ في مصلحة بقاء النظام بصوغ ما، وبات جليًا تمييع جوهر بيان جنيف 1 واحد القاضي بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية، بصلاحيات تنفيذية كاملة، وبمهمات حيوية، تتناول إعادة هيكلة وتشكيل الأجهزة الأمنية، والجيش، وتشكيل حكومة انتقالية، وهيئة دستورية عليا، تشرف على إعداد دستور متطور، يُطرح على الاستفتاء الشعبي، وكثير من الإجراءات الضرورية لتحقيق الانتقال والتغيير، وصولًا إلى المؤتمر الوطني الجامع، وكذلك الأمر في ما يخص الموقف من رأس النظام، وكبار رموزه؛ إذ غابت التصريحات السابقة التي كانت تتناول وضع رأس النظام، وأن لا مكان له في الحل السياسي، أو في المرحلة الانتقالية، وبما يعني تجاوز بيان جنيف إلى ما دونه؛ مما يجري الكلام عنه -هذه الأيام- في قصة حكومة وحدة وطنية تشاركية، وإعداد دستور مسبق، والتهيئة لانتخابات رئاسية وتشريعية مقبلة، دون الإفصاح عن طبيعة ومهمات المرحلة الانتقالية.

وتحت شعار “محاربة الإرهاب”، بوصفه أولوية، وغياب الموقف الأميركي، وانتظار ما ستسفر عنه إدارة ترمب من توجهات وتصورات، بات بحكم المفروض بقاء الأسد لفترة مقبلة، يمكن أن تتجاوز المقرر للمرحلة الانتقالية إلى الانتخابات الرئاسية، ودخوله فيها، وبما يضمن فوزه شبه المحقق، في ظل استمرار مؤسسات النظام، خاصة الأمنية منها.

والنتيجة -إن استمرت الأمور على النحو الحالي- أن لا وجود لحل سياسي جدّي، وأن المعارضة السياسية، بقواها الرئيسة، لن تقبل -بعد كل هذه التضحيات، وبعد ما تعرّضت له البلاد من خراب ودمار- بأرباع وأنصاف الحلول التي تُبقي النظام ورأسه، أي: إن الصراع سيبقى قائمًا بمحركاته ومفاعيله.

هنا؛ يكون السؤال المهم: ما الذي يمكن فعله والحال هذه، والمعطيات المتوفرة تفقأ عيون الآمال بالحل السياسي، وبإنهاء النظام؟

هل يمكن أن “تتنازل” المعارضة إلى القبول الخاضع لشروط النظام والقوى الدولية؛ فتتخلى عن جميع الثوابت، وعن أهدافها الرئيسة في إنهاء النظام وتكوين البديل، أم إنها سترفض، وتقاطع جولات جنيف، بكل ما يعنيه ذلك من “عقوبات”، ستتخذ ضدها، وأولها رفض الاعتراف بها، بوصفها جهات معارضة، والبحث عن بدائل “مرنة” و”إيجابية” من معارضات قابلة، أو بين بين، أو تشكيل مجلس عسكري يتولى الشؤون العسكرية والأمنية، وحتى السياسية، في مرحلة انتقالية يجري الاتفاق عليها بين” الكبار” والدول الإقليمية؟

وفي حال رفضت المعارضة الشروط المفروضة التي لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الثورة، ما الخيارات التي تملكها؟

هل تعود إلى الشعب؛ ليكون حاضنها الحقيقي؟

هل تتمكن من استعادة القرار الوطني المفقود بجملة من المهمات والسياسات، وأساسها الاعتماد على الذات، وجسر الهوة بينها وبين فاعليات وهيئات الشعب السوري؟

هل يسمح الوقت والضغط، وقرارات الدول للمعارضة بأن تنجز تلك المهمات، وأن تصبح طرفًا مهمًا في المعادلة السورية، لا يمكن لأي جهة أن تتجاوزها، أو أن يُصنَّع بديلٌ؟

تلك أسئلة مقتحمة، لا يمكن الهروب من مستحقاتها، ويجب التفكير بها، والعمل على تجسيدها، وفق رؤى وخطوات عملية منذ الآن.u

مقالات ذات صلة

إغلاق