أدب وفنون

نهوض

لم يكن جزءًا جميلًا من عرض مسرحيّ، ولا لوحة مقتطعة من فيلم رسوم متحرّكة، ولا حكاية، أو فصلًا من رواية، ولا كان من إنشاء تخيّلي.

جرى ما جرى في قاعة واسعة من تلك القاعات التي تضمّها الجامعات الكبرى الشهيرة في العالم، يجلس فيها عدد كبير من ذوي الطلاّب، وأصدقائهم، ومعارفهم الذين جرت دعوتهم لحضور ومشاهدة حفل تخريج دفعة ممن أنهوا سنوات دراستهم.

من بين أعداد الطلاّب الخرّيجين الذين اصطفوا وقوفًا في صدر القاعة، وهم بلباسهم المُخصص لحفل التخرّج، مع القبَّعة المستديرة على الرأس، للذكور والإناث؛ كان ثمّة بضعةُ طلاّب من ذوي الإعاقات البدنيّة، يتقدَّمون، بمقاعدهم الدرَّاجة، صفوفَ زملائهم.

راحت الأسماء تتوالى تباعًا، ويتوالى تقدّم أصحابها -واحدًا بعد الآخر- نحو منصّة تسليم الشهادات، وسط التصفيق المُعتاد من الحضور. فجأة -وفي إثر إعلان أحد الأسماء-    اندفعت فتاةٌ ممشوقة القامة، من بين صفوف المقاعد المخصّصة للضيوف، متّجهة نحو طالبٍ جالسٍ على مقعده الدّرَّاج، فوقفت في مواجهته بثبات وعزم باديين، ثمَّ مدَّت ذراعيها  نحو ذراعيه، في دعوةٍ للنهوض.

هدأ الحاضرون في القاعة، وعمَّ الصمت. لوهلة، بدت المُباغتة والدهشة المتسائلة صريحتين، واضحتين على وجه الشابّ المُقعد. بيد أنه -للوهلة الثانية- وكما لو كان أدرك غايتها، انفردت أسارير وجهه، والتمعت عيناه، وشرع -متجاوبًا مع رغبتها- بتحريك جسمه بتثاقل، ومدّ ذراعيه على طولهما بغية الإمساك بشدَّة بذراعيّ الفتاة، محاولًا -بجهد لا يخفى- دفع جسده للنهوض، إلى أنْ استوى واقفًا أمامها.

اِنشدَّتِ الأنظارُ -كلّها، وبحركة واحدة- نحوهما. كان الشابّ، بمعاونة من الفتاة، قد ثَبُتَ في الوقوف على قدميه، ثمَّ جعل، كلٌّ منهما، يُحكِم كفّيه المشدودتين على زنديّ الآخر. عيناها الواثقتان كانتا ثابتتي التحديق في عينيه المُحدّقتين -بثقة وثبات- في عينيها.

مع الخطوة الأولى التي جاهد الشابّ لخطوها، خفقتْ في فضاء القاعة تصفيقةٌ واحدة مواكبة، هادئة، من أكفّ الحاضرين -جميعًا- بمن فيهم لجنة رئاسة الجامعة، ثمّ عادت القاعة إلى الصمت. ومع الخطوة الثانية، خفقت ثانية، ومع الثالثة والرابعة.. إلى أن تناغم توقيعُ الأكفّ مع وقع حركة الأقدام العازمة.

بعدها، واصلتِ الأقدام -بأناةٍ- خطوَها، وواصلتِ الأكفُّ -بانسجام- توقيعَها، خطوةً فتوقيعًا، إثر خطوةٍ وتوقيعٍ؛ حتى بلغتِ العيونُ، واهتزازاتُ الزنودِ، والأقدامُ، وغبطةُ الوجوهِ، وعضُّ أسنانِ الأطفال على سلامياتهم قلقًا، وشهقاتُ الأمّهاتِ، والجدرانُ.. منصةَ تسليم الشهادات.

حينئذ، بهدوء ومحاذرة، أفلتَ الشّابّ يديه، فأسبلتِ الفتاة يديها. بأصابع مطويّة متشنّجة مدّ الشابّ ذراعه وتسلَّم الشَّهادة، فضجَّت القاعة بالتصفيق وصيحات الإعجاب، فيما كانت الفتاة -دامعة- تغمر شابَّها وتضمُّه إلى صدرها، كما لو كانت تطير معه، وتُحلّق.

مقالات ذات صلة

إغلاق