تحقيقات وتقارير سياسية

تغييرات حاسمة تقترب من الشمال السوري

تشهد مناطق الشمال السوري، هذه الأيام، أحداثًا يومية على الصعيدين: العسكري والسياسي، توحي باحتمالات حدوث تغيرات مهمة في المشهد هناك؛ إذ تزامن وقوع عدد من الأحداث المتفاوتة أهميتها على الأرض، مع ظهور مؤشرات سياسية تنحو باتجاه إحداث تغييرات عاصفة.

فقد ظهر قائد مجموعة مسلحة صغيرة، تُسمي نفسها “جمع الشمال”، منضوٍ تحت ما يسمى “فوج مغاوير البادية” في تسجيل مصور، يقول فيه: “نُحيي السيد الرئيس بشار حافظ الأسد… والسيد اللواء محمد محلا أبو علاء قائد شعبة المخابرات العسكرية، ونعاهدهم على أن نكون لهم الجُند الأوفياء في محافظة الرقة”.

تتألف المجموعة من أفراد مرتبطين بالنظام السوري، عمل بعض منهم في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية خلال فترة سيطرته على المنطقة، وقبل اندحاره منها في حزيران/ يونيو 2015، ثم عادت المجموعة إلى العمل تحت مظلة ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية”، في منطقة تل أبيض من ريف الرقة الشمالي، منذ عام 2015 حتى قبل أيام، عندما رفع عناصر ينتمون إلى هذه المجموعة علم النظام في إحدى القرى الواقعة ضمن نطاق انتشار ما يسمى “لواء ثوار الرقة”، وأطلقوا النار في القرية ذاتها على عناصر تابعين للواء؛ هذه الحادثة استدعت ردًا فوريًا وحاسمًا من اللواء الذي سارع إلى “تطويق القرية والاشتباك مع عناصر المجموعة المسلحة واعتقال 18 فردًا منها، وجرح اثنين منهم، بينما لاذ البقية بالفرار إلى محافظة الحسكة” بحسب ما صرح به أحد مسؤولي الأمن في “لواء ثوار الرقة” لـ(جيرون).

إن سلوك هذه المجموعة يأتي بالتوازي مع جهد في اتجاه ما يدعونه “مصالحة وطنية”، يبذله وجهاء محليون مرتبطون بالنظام، ويديرها أحد “مشايخ” المنطقة، عضو مجلس “الشعب”، إبراهيم الكشة، وتجري بالتفاهيم مع “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، الجناح السياسي لميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية التي تشكل العمود الفقري لميليشيا (قسد)، وبينما وقفت هذه الأخيرة على الحياد من تفكيك مجموعة ما يسمى “تجمع الشمال”، اكتفت القوات الأميركية الموجودة في المنطقة بمراقبة العمليات عبر الطيران، ما يؤشر إلى رغبة الطرفين في طي صفحة النظام في المنطقة.

وبالتزامن مع مجريات الأحداث في تل أبيض، كانت مجموعة محلية أخرى تعمل تحت مظلة ميليشيا (قسد)، وتنتمي إلى ما سُمي بـ “المجلس العسكري لدير الزور”، قد وصلت أطراف قرى الجزرة في ريف دير الزور الغربي، في خطوة جديدة ومتقدمة في الحرب على تنظيم الدولة في هذه المنطقة.

ويفيد سكان محليون في قرية “جزرة البو حميد” أن دخول ميليشيا (قسد) إلى مجموعة القرى -هذه- سيمكنها من قطع طريق دير الزور-الرقة من جهة الجزيرة، وهو أحد الطرق المهمة للتنظيم الذي يخوض معارك كر وفر مع نظام الأسد في دير الزور منذ عدة أسابيع، كذلك تُعدّ هذه الطريق شريانًا مهمًا للإمداد اللوجستي بين مناطق التنظيم في سورية والعراق، فإذا نجحت الميليشيا المهاجمة في السيطرة عليها تكون قد قلّلت من قدرات التنظيم اللوجستية، وألجأته إلى الطريق الثانية التي تمرّ بمحاذاة نهر الفرات من جهة الشامية.

أما عين العرب، أحد معاقل ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، فقد كانت شهدت في 22 شباط/ فبراير، مستوى مختلفًا من العمل، وخاصة في ما يتعلق باحتمالات حدوث توافق على خطة التحرك التركية باتجاه الرقة. فقد كشفت مصادر متطابقة، أميركية ومحلية، عن زيارة سرية قام بها عضو مجلس الشيوخ الأميركي، جون ماكين، إلى المنطقة، التقى فيها مسؤولون عسكريين أميركيين وآخرين أكراد، وناقش خلال الزيارة احتمالات فتح طرق تحرك وإمداد عسكريين لقوات تركية، وأخرى من الجيش السوري الحر، عبر مناطق تسيطر عليها ميليشيا “وحدات حماية الشعب”؛ وصولاً إلى جبهات القتال مع التنظيم في شمال الرقة.

تحرك المسؤول الأميركي المعروف بدعوته إلى التعامل بحزم مع النظام السوري، يأتي في سياق جولة معلنة، قادته إلى العربية السعودية وتركيا؛ وتُرجح مصادر في ما يسمى “لواء ثوار الرقة” أن توافق الميليشيا الكردية على “فتح ممرات عسكرية، ربما يمر أحدها من تل أبيض، ما يساعد في إخراجها -هي نفسها- من مأزق معركة الرقة، من جهة، ويخفف من الضغوط التركية عليها وعلى حلفائها، من جهة ثانية، خاصة مع انتهاء معركة الباب، واحتمالات التحرك منها شرقًا وجنوبًا”.

قد لا يمضي وقت طويل قبل أن تكشف وقائع السياسة والأرض كل خبايا السباق نحو الرقة، المدينة التي انتقلت من إغفال مُستنكر إلى شهرة تستدعي استنكارًا أشد، بتصويرها معقلًا لواحد من أقسى التنظيمات العنفية وحشية، وأكثرها غموضًا في تاريخ المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق