أدب وفنون

من الموصل إلى حلب خنجر القتل واحد

في “كردستان العراق”، وفي قلعة أربيل تحديدًا؛ حيث يفد كل عام عشرات آلاف السياح من داخل العراق، ومن دول العالم المختلفة، محل لبيع العطورات، وكنت أعمل فيه، أمضيت سنتين من عمري بين قوارير العطور من نوع “بوس” و “هوغو” و”لاكوست”، وغيرها من العطورات ذات الرائحة الزكية.

خلال عملي -هذا- مدة سنتين في أربيل، لاحظت أن المواطنين العراقيين القادمين من مدن جنوبي العراق، ذات الغالبية الشيعية، يشترون، وبكثرة، العطور مرتفعة الثمن نسبيًا، ولا يبالون بالأسعار، وينفقون الأموال هنا وهناك، على الرغم من ارتفاع أسعار معظم السلع في “إقليم كردستان”.

أما المواطنون العراقيون القادمون، أو المهجرون من المدن السنية، من الأنبار والموصل، فكانوا يشتكون دائمًا من ضعف امكاناتهم المادية، وأنهم تركوا كل ما يملكون وراء ظهورهم في الموصل والأنبار.

سألت بعض المواطنين العراقيين من البصرة، قلت لهم: لاحظت خلال عملي هنا أن المواطنين العراقيين القادمين من مدن البصرة وجنوب العراق، يشترون العطورات بكثرة ولا يبالون بأسعارها المرتفعة نسبيًا فما السبب يا ترى؟

أجاب بعضهم بأن هناك أسباب كثيرة، فمدينة البصرة ومدن جنوب العراق، تشهد حركة بناء وتطور عمراني، فالأشخاص الذين يعيشون في وسط المدينة، يبيعون بيوتهم المرتفعة الثمن ويشترون بيوتًا في أطراف المدينة بسعر أرخص، وما يزيد من الأموال تستثمر في التجارة، أو “نفتح محلًا تجاريًا أو نشتري سيارة أجرة… وبذلك نحصل على مصدرين للدخل، راتب الوظيفة من الحكومة وما نحصل عليه من أرباح المحل أو من التجارة”.

عندما نقارن ما تتمتع به مدن جنوب العراق ذات الغالبية الشيعية من استقرار وأمان وتطور في حركة البناء، مع ما يجري في المدن السنية من تدمير وقصف، وتدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها وتشريد أبنائها وتجويعهم، فلن نحتاج إلى كثير من الجهد لنعرف أن هناك مخططًا واضحًا لكسر السنة، وإضعافهم وطردهم من مدنهم، فكبرى المدن السنية، من الأنبار إلى الموصل إلى حمص إلى حلب، يجري تدميرها، وقتل سكانها وتشريدهم وتجويعهم بأبشع الطرق وأكثرها وحشية.

يعلم الجميع أن ما تتعرض له المدن السنية في العراق، نتيجة للتحالف بين نظامي بغداد وطهران، وبغطاء ودعم وتوجيه أجهزة الاستخبارات الغربية، وأن هذا التحالف بين النظام الإيراني والأنظمة الغربية لا يتوقف، إلا ليعود ويبدأ من جديد، وعلى مر التاريخ، فعلى سبيل المثال؛ يقول الدكتور “فاروق عمر العمر” أن الشاه اسماعيل الصفوي عندما جلس على العرش في تبريز، واستولى على العراق وفارس وكرمان نحو 1510، أعلن المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا لإيران، ليميز نفسه عن العثمانيين السنة، واستعمل القوة في تغيير مذهب السنة الممتنعين عن التشيع، واتفق مع الصليبيين والبرتغاليين ضدهم.

وأصبح الصفويون الشيعة في إيران، يفصلون الكتلة السنية في وسط أسيا والهند وأفغانستان، عن السنة في تركيا والعراق ومصر والدول الإسلامية الواقعة إلى الغرب من إيران، واليوم التاريخ يعيد نفسه، أو أن البشر يعيدون التاريخ، ولكن بصورة أبشع من ذي قبل، بتحالف إيراني- روسي- أميركي.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وكان من نتائجه تسليم العراق على طبق من ذهب للنظام في طهران، ولم تمض سنوات قليلة حتى بدأت الحرب الأهلية في العراق.

نحن في سورية كنا نتابع ما يجري في العراق من قتل وتعذيب عبر شاشات التلفاز، وكنا نظن إننا في مأمن مما يجري، واليوم جاءت الميلشيات الطائفية نفسها التي كانت تقتل في العراق. ها هي اليوم تستخدم الخنجر نفسه لتطعن المدن السورية الواحدة تلو الأخرى، من حمص إلى حلب إلى درعا، ويبدو أن شهوة القتل لدى هؤلاء قد ازدادت، وقد يمتد الخنجر إلى خارج سورية؛ لتذبح مدن أخرى طالما أنه لا رادع لها.

نقول اليوم للذين يتفرجون على ما يجري في سورية، ولا يحركون ساكنًا، ويعتقدون أن النار لن تمسهم، نقول لهم هل اتخذتم عند الله عهدًا، فطالما أن الشعوب تكتفي بالتفرج، والسياسيين وأصحاب النفوذ ورجال الدين يكتفون بالخطب الطنانة والرنانة، والصراخ على المنابر، وطالما أنه ليس هناك خطوات عملية لإيقاف الحرب وحل الصراع في سورية، فإن الدور آت على الجميع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق