تحقيقات وتقارير سياسية

حكم الأسد يؤسس للطائفية ويدعمها

الثورة بركان اجتماعي يُخرج أفضل ماعند الناس، ويخرج نقيضه أيضًا. لا يمكن لأي تفجر اجتماعي أن يكون مفلترًا، فكل جرح يستصحب بلسمه وقيحه.

مع قيام الثورة السورية كثرت الظواهر والأحاديث الطائفية لوجود تداخل معقد في سورية بين السلطة والطائفة، من جهة، ولوجود شروخ اجتماعية قديمة بالأساس، أسست للطائفية من جهة ثانية.

ما فعلته الثورة السورية أنها نقلت الكراهية بين السوريين، هذه الطاقة الكامنة من اللاوعي إلى الوعي، وهو أخطر ما في الأمر، أن يكون المرء واعيًا بطائفيته!

لم يكن فأل خير على العلويين أن تنسب إليهم السلطة في سورية، ومن المؤكد أن وضعهم الاجتماعي سيكون أفضل حالًا وأكثر اندماجًا مع الأغلبية السنية، لو لم يصل الأسد إلى السلطة، لقد خلخل حكم الأسد الفيزياء الاجتماعية في سورية، وأفسد التناغم الكيميائي بين الذرات ومحيطها، لقد تماهى كثير من السنّة مع حكم العائلة تماهيًا كبيرًا، عبر أشكال غير صحيّة، لم يكن الغرض منها سوى تحقيق المصالح الآنية.

لم يكن التقارب السني – العلوي، يدل بالعمق على زوال المشكلة الطائفية في سورية، بقدر ما يدل على الذوبان القسري للأغلبية في الأقلية، ولهذا خطورته في علم الاجتماع، وهو سرعان ما يعكس هذه الخطورة في أول حركة تمرد اجتماعية من الأكثرية تجاه الأقلية الحاكمة، لذلك؛ لو حللنا في العمق، سنجد لزامًا علينا قراءة كل مظاهر التكفير التي طالت العلويين من المجموعات “المتطرفة السنية”، قراءة سياسية، إذ كيف تركز مقولات هذه المجموعات على تكفير فئة من السوريين، في حين توجد فئات أخرى تتشابه معها في أدبيات الفلسفة الدينية، لا يطالها التكفير، ولهذا معنى عميق يدل على الأزمة السياسية بين السنّة، بوصفها أغلبية ثائرة، وبين أقلية تقاتل دفاعًا عن السلطة، وهو جوهر ولبّ الصراع في سورية.

يمكن من خلال الزواج، كونه مدلولًا لتجاوز المللية والطائفية، فهم التقارب الصحيح بين مكونات الشعب السوري، ويمكننا الحصول على بعض المقارنات عندما نكتشف -على سبيل المثال- أنّ حالات الزواج بين السنة والعلويين، على ندرتها، انكمشت أكثر بعد وصول الأسد الأب إلى السلطة، فقد جرى تقليص دور الأسرة، وهي أول مؤسسة اجتماعية يمكن من خلالها تذويب العقد الطائفية، عن طريق التحكم طائفيًا ودينيًا بها، فقصص الحب بين علويين وسنة كثيرة، ولكنها غالبًا ما تنتهي إلى الفشل، بسبب الضغوط الدينية التي تمارس على الطرفين، من الأسر، أو المؤسسة الدينية التي تنظر إلى الآخر نظرة تدميرية، تحول دون بناء جسور الحب المتينة، على الرغم من تظاهرها بوجود جسور حب.

الكراهية عامل مؤسس للطائفية، وهي التي ساهمت في بروزها مع قيام الثورة السورية، فأفكار من قبيل أن الفئة الفلانية ليس لها دين، وأنها تكفر بظاهر القرآن، وأن الطائفة الفلانية تقدس فلانًا وتجعله في مستوى الربوبية، كل ذلك ساهم في تأسيس الطائفية، ويكمن الخطأ دومًا في أننا نقرأ الآخر دينيًا، ونتجنب أن نقرأه إنسانيًا أو مواطنيًا.

ثمة شرائح كثيرة تجاوزت هذه الأمراض والعقد، ولكن ما فعلته الثورة السورية أنها كشفت هشاشة المجتمع السوري، وكشفت لنا إلى أي مدى تكون الكيمياء الاجتماعية سامة، عندما تخضع لتحولات وتفاعلات قسرية مارسها النظام القائم، وعبث بها اجتماعيًا، لذلك؛ يمكننا الجزم بصحة الفرضية التي تقول: كما أنّ حكم البعث لم يكن خيرًا على السنّة، فإنه لم يكن خيرًا على العلويين، ولا على السوريين أجمعين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق