مقالات الرأي

بوتين – الأسد… الزعامة الجوفاء

يرتكز مفهوم الزعامة على عدد من الدعائم، أولاها الشعار أو الإيديولوجية التي يمكن أن تستقطب مشاعر الجمهور، وثانيها الكاريزما الشخصية المقنعة باستخدام الشعار، وثالثها الأدوات والإمكانات الموضوعة بالتصرف، ورابعًا الدعم الخارجي.

بوتين والأسد يُفكّران بالطريقة نفسها للجلوس على كرسي زعامة وطنية أو إقليمية أو دولية.

الأول استولى على كرسي منهارة دعائمها مع انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، فانهار شعار ديكتاتورية البروليتاريا والأيديولوجيا الشيوعية التي بنى الاتحاد السوفياتي والزعماء فيه مجدهم عليها، وتفككت المنظومة الاشتراكية من الدول في الاتحاد السوفياتي، أو الحليفة معه، وارتدت إلى قومياتها، أو دول مستقلة فضلت الالتحاق بأوروبا، ففقدت روسيا وقيادتها الشعار الذي تحشد من خلاله، والأدوات التي كانت تستخدمها في العالم لخدمة ذلك الشعار، ولم تجد روسيا بعدئذ حتى شعارًا داخليًا لها، فاستشرى الفساد، وهيمنت المافيا التي أوصلت بوتين إلى الرئاسة، وتوقف الدعم الخارجي الذي كان يوفره تزعّم الاتحاد السوفياتي لمنظومة دولية مؤثرة، وبات الاتحاد الروسي يتوسل الدعم من أعدائه التاريخيين، ولولا وجود كمية هائلة من الأسلحة النووية معه؛ لأصبح الاتحاد الروسي من دول العالم الثالث بالنسبة إلى العالم، ويحاول بوتين الآن إعادة بناء دعائم لزعامة دولية، دون أن يحدد حتى الآن ما الشعار أو الأيديولوجيا التي سيستخدمها لذلك، فمرة يتحدث عن القومية الروسية، ومرة يحاول استخدام الدين، وأخرى يطرح شعار محاربة الإرهاب، وكل هذه الشعارات لا يمكن أن تمنحه دعامة لزعامة دولية، فشعار القومية الروسية يمكن أن يمنحه زعامة داخلية، ولكنه سيخسر جيرانه من القوميات الأخرى، والدفاع عن الدين المسيحي ليس شعارًا يمكن لروسيا أن ترفعه بعدما عاف العالم شعارات الدفاع عن أصحاب الأديان، ومحاربة الإرهاب شعار يجعل روسيا تابعًا وأجيرًا لدى محاربي الإرهاب، ولا يمكن أن يجعلها رائدة فيه، ومازال بوتين يبحث عن شعار قد لن يجده أبدًا، وبعدم وجود الشعار تفقد الكاريزما الشخصية التي يحاول بناءها، دون أن ينجح بذلك، معناها أو جدواها. وبفقدان الشعار فقد الأدوات من دول أو تنظيمات أو مجموعات وأحزاب، كان يستخدمها الاتحاد السوفياتي في العالم، وكذلك الوضع الاقتصادي المزري الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لا يمكنه من شراء أدوات جديدة، أو التحكم بها، لذلك؛ فهو حتى الآن يحاول -دون جدوى- بناء دعائم لكرسي زعامة مازال بمستوى الأرض، ودون مسند.

الثاني ورث كرسي زعامة بناه والده عبر وقت طويل، وأجبر السوريين على دفع كثير من الأثمان من أجل ذلك، فكانت القومية العربية ومحاربة إسرائيل شعارًا لاستقطاب الشعب، وتملك كاريزما مخيفة عبر التنكيل بالسوريين واللبنانيين والفلسطينيين، دون أن يرف له جفن، إضافة إلى شخصية متوازنة إعلاميًا وتعرف ما تريد، وامتلك بالصناعة والتهديد والاحتواء والمال أدوات كثيرة من التنظيمات والشخصيات الداخلية والعربية والإقليمية، بل امتد ما يملكه إلى العالم، وكلنا يذكر كارلوس وبعض زعماء النازية الذين وجدهم حافظ واحتواهم، كما كان المورث يملك دعمًا كاملًا من كل القوى المؤثرة في العالم، وسياسته المتلاعبة مكنته من كسب دعم أطراف متناقضة؛ حتى كسب دعم أعداءه بحسب شعاراته التي يتغنى بها وهم أميركا وإسرائيل، فجاء الوارث، وابتدأ بتحطيم دعائم هذه الزعامة، أولها بالكاريزما الشخصية التي لم يكن فيها أي شيء يمكن أن يُقنع، سوى أنه درس الطب في لندن، وهذه كانت بطاقة تعريف شخصيته الوحيدة للعالم، ثم استمر بتحطيم الشعارات، فبدأ بالتخلي عن الاشتراكية لمصلحة “كارتيلاته” الاقتصادية الشخصية الممثلة بابن خالته رامي مخلوف، ففتح السوق السوري لنفسه واحتكر كل شيء، وتخلى عن شعار القومية والوحدة العربية، عندما بدأ بتدمير علاقاته العربية، ومحاولة الأستذة على الزعماء العرب، وخاصة في القمم العربية، وانتهت بمهاجمة العرب بعد اغتيال رفيق الحريري، ووصف الزعماء العرب بأشباه الرجال، وبدأ بفقد الأدوات التي صنعّها والدته أو استخدمها بسبب الأوضاع التي جاءت بمحاولة تركيا فتح أبواب سلام مع الأكراد، ففقد ورقة حزب العمال الكردي، واضطراره لفتح أبواب علاقات الصداقة مع الأتراك، أفقده ورقة الأحزاب الكردية الأخرى، وتعامله مع الانتفاضة الكردية عام 2004 أخرج كل الأدوات الكردية من بين يديه، ومع بدء مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية، ووجود أرض فلسطينية يمكن أن توجد عليها الفصائل الفلسطينية، في الضفة أو غزة، فقد ورقة الضغط عليهم عندما كانوا مضطرين للبقاء في دمشق، تحت سيطرته وسطوته، وأدى خروجه المهين من لبنان إلى خسارته أدوات كثيرة كانت ملك يديه، إن كان من الشخصيات والأحزاب اللبنانية، وخاصة حزب الله وأمل والتوحيد وغيرها، أو الشخصيات والتنظيمات الفلسطينية التابعة له، وكان يستخدمها للتحكم بالوضع اللبناني، فأفلتت من يديه، ما سمح لإيران -عبر حزب الله- بإدارة اللعبة اللبنانية بعيدًا عنه، وانحسر الدعم الدولي، وخاصة الأميركي والأوروبي عنه، خاصة بعد رعونته المطلقة في مواجهة الدخول الأميركي في العراق، ودعم واستخدام الإرهابيين لمحاربة الأميركيين، والانسياق تحت عباءة الملالي في إيران، ومع أن الغرب حاول أكثر من مرة إعادة استيعابه، كان أكبرها محاولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إعادة دمجه وتأهيله أمام المجتمع الدولي عام 2008، والعلاقات التركية السورية التي ازدادت، ولكن رعونته بالرد على الاحتجاجات السلمية عام 2011، وعدم الإصغاء إلى كل النصائح التي أتته من كل حدب وصوب، جعلته يخسر كل الدعم، وجعلته مستجديًا -فحسب- استمرار الغطاء الإيراني له، جاعلًا من نفسه وموقعه خادمًا للمصالح الإيرانية، لتبقي على كرسيه الذي بات أوضع من كرسي خادم بسيط، لم يعد أحد يلتفت إليه إلا عندما يقصر في الخدمة، بينما كان المورث يستخدم ثروات سورية لمصلحة تدعيم نظامه، وشراء واحتواء الأدوات؛ مراعيًا مصالح المؤيدين والموالين، قام الوارث باستخدام هذه الثروات لتنمية ثروته الخاصة بواسطة ابن خالته، ووضع يده على معظم المفاصل الاقتصادية لجيبه الخاص، دون أن يأبه لمصالح داعميه أو مؤيديه.

بوتين والأسد يبحثان ويحاولان إعادة بناء كرسي زعامتهما الجوفاء، الأول يبحث عن موقع معترف به دوليًا لكرسيه، مستخدمًا محاولة إمساكه بالملف السوري، ومحاربة الإرهاب طريقًا إلى ذلك، والثاني يحاول أن يجد ولو بساط يفرشه أمام باب المجتمع الدولي، يعرض خدماته عل وعسى أن يلتفت أحد إليه، ويأخذه خادمًا ملازمًا له، ليعيد إدخاله إلى المجتمع الدولي، بعد أن بات حتى سيده الجديد، إيران، مهددًا بالخروج منه.

مقالات ذات صلة

إغلاق