مقالات الرأي

لعنة الجغرافيا السورية ومقترحات لتجاوزها

في زحمة المؤتمرات والمنصات، والتدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري، نحتاج أن نبتعد قليلًا عن الحدث المباشر، وأن نتناول الأزمة السورية من أحد جوانبها الجوهرية، ولا يمكن التنعّم بها إلا عبر توسيع المجال الزمني التاريخي الذي نناقش ضمنه الحالة السورية، بما هو سابق لتاريخ انطلاق الثورة، بل وحتى لتشكل الدولة السورية بحدودها الراهنة والمعترف بها دوليًا.

لا تملك سورية، الدولة التي نعرفها اليوم، جذرًا ضاربًا في التاريخ، بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا، على الرغم من عراقة شعبها، ونتاجه الحضاري والثقافي الغني الذي أثرى الإرث الإنساني عبر مراحل متعددة من تاريخه. يعود الأمر -من وجهة نظر جيوسياسية- إلى عدم توفر أحد أهم الشروط اللازمة لتشكل دولة في الحيز الجغرافي الذي يصطلح عليه بـ “سوريا الكبرى”، ويشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين التاريخية، وذلك؛ بسبب عدم توفر حدود طبيعية تردع الغزوات الخارجية، وتسمح بتكون هوية واضحة المعالم للشعب السوري الموجود في هذا الإطار الجغرافي، من حيث أن النضال المشترك في مواجهة عدو خارجي يسهم في بلورة وعي جمعي هوياتي لسكان حيز جغرافي ما، على العكس من ذلك، فإن التاريخ السوري حافل بدويلات تدور في فلك امبراطوريات أوسع، أو في مراحل كانت سورية الكبرى ملحقة أو خاضعة كليًا لإمبراطوريات كبرى، كالرومانية أو العربية الإسلامية، أو العثمانية، يضاف إلى ذلك أن الموقع الجغرافي لسورية، يتموضع بين قوى إقليمية تاريخية متصارعة تفوقها قوة، وقد أسهم ذلك بدوره في منع تشكلها، بوصفها دولة، إذ طالما كانت أرضًا متنازعًا عليها، سعت تلك القوى إلى إخضاعها، وإلحاقها كليًا أو جزئيًا لمجالات نفوذها، وساهمت جيوش غازية من مناطق بعيدة، وتقصد وجهات أخرى، بتدمير المناطق الحضرية السورية في مراحل تاريخية متعددة، بواقع أن الأراضي السورية نقطة وصل بين قارات العالم القديم، آسيا وأوروبا وأفريقية. وفي النتيجة، يمكننا الحديث في سوريا الكبرى عن حالة سورية، تجمع بينها مشتركات ثقافية متعددة، لكن ليس عن شعب يملك تعريفًا واضحًا لنفسه.

لا تقل المعضلات التي تواجه الدولة السورية المعاصرة بحدودها الحالية عن مشكلة سورية الكبرى الجغرافية، بل إنها حتى تزيد من تعقيدها وتجعلها أكثر قلقا على وحدتها الوطنية، وهو ما دفع بالنخب السورية في القرن الماضي إلى محاولات إعادة تعريف الهوية السورية في كيانات أوسع، تتجاوز حدود سايكس بيكو وتتسق مع فكرة أن سوريا الكبرى في كليتها أو أجزائها كانت دائمًا ملحقة بكيانات أوسع، فسواء أكان ذلك عبر اللجوء إلى إطار قومي عربي، مثلما فعل البعثيون، أو عبر إطار قومي سوري يشمل سوريا الكبرى، مثلما ذهب القوميون السوريون، كان واضحا أن السوريين عملوا دائمًا على إنكار ذاتهم لصالح الخارج، ولا تخرج المشروعات الإسلامية السنية الحالية، بنسخها المتعددة في سورية، عن هذا الإطار، مع فارق واضح بأن المشروعات السابقة كان من الممكن لها أن تجمع السوريين -إلى حد ما- في ما بينهم، أما المشروع الإسلامي، فإنه يتسبب بانقسام الشعب السوري على نفسه.

كما أسلفنا، كانت سورية -عبر تاريخها- أرضًا متنازعًا عليها بين حكام فارس والأناضول ومصر، وكانت في صدر الإسلام الوجهة الأولى للقبائل العربية التي “غزتها” مبشرة بالإسلام، بعد أن تمكنت تلك القبائل من التوحد خلف لوائه. لا يختلف اليوم عن الأمس؛ فالقوى الإقليمية الفاعلة في سورية، هي ذاتها، وما يمنع القاهرة عن الاضطلاع بدور أوسع في سورية انشغالها بمشكلاتها الداخلية.

ضمن محددات رئيسة تتمثل في ضعف الهوية السورية، وواقع سورية الراهن وموقعها الجغرافي بين قوى إقليمية تتجاوزها حجمًا وقوة وإمكانات، يصبح من الصعب الحديث عن إمكانية بناء دولة مستقرة، دون التطرق إلى شكل الحكم والقوى السياسية التي تسعى للتربع على رأس أعلى هرم السلطة في البلاد.

من البديهي أن القوى الإقليمية الفاعلة في سورية، ستبقى كما كانت عبر تاريخها، مؤثرة في هذا البلد، وهو ما يعني أن أي شكل من أشكال الديمقراطية الطائفية التمثيلية، كما هو الحال في لبنان، أو “الفدرلة”، كما هو الحال في العراق، سيمنح تلك القوى المداخل الملائمة لاستمرار نفوذها في هذا البلد، وهو ما يسعى إليه عمليًا اللاعبون الإقليميون في توافقاتهم المشتركة حول سورية، أي تشريح الجسد السوري وتقاسمه في ما بينهم. إضافة إلى ذلك، فإن الصراعات البينية بين تلك القوى، وتشكل سورية إحدى ساحاتها، ستستمر بأشكال مختلفة، ويشكل ذلك أحد أهم المعوقات في وجه استقرار الدولة السورية المقبلة؛ من هذه الزاوية بالذات، فإن المشروعات الخارجية التوافقية لأي حل في سورية خطِرة ومشبوهة، ويجب على الدولة المقبلة؛ كي تضمن استقرارها أن تسعى إلى نظام يدمج بين المركزية الصارمة، واللامركزية الموسعة، بمعنى أنه يجب الحفاظ على سورية دولةً يشرف مركزها على السياسة الخارجية، وتمتلك جيشًا وطنيًا، تعاد هيكلته على أسس احترافية، ويدخل ضمن صلاحياتها تقرير الموازنة العامة، وتوزيعها على إدارات محلية بسلطات واسعة قانونية وإدارية، ومن الممكن تجاوز مشكلة التمثيل للمكونات السورية المتعددة، عبر نظام برلماني يضمن إشراك الجميع من خلال توزيع مدروس بعناية للدوائر الانتخابية.

المشكلة الأخرى هي أن تلك القوى في صراعها الشرق الأوسطي الأوسع، تعتمد على شحذ الغرائز الدينية، وهو أمر استغله -بانتهازية- كل من النظام والمعارضة، مع تحميل النظام المسؤولية بالدرجة الأولى للعب على هذا الوتر الخطِر، في سعيهم لاستمالة حواضن شعبية على أسس عرقية وطائفية؛ ما فاقم المشكلة السورية، وتسبب بانقسام شعبها على نفسه، وكان من نتائج ذلك أيضًا أن تنوعت الولاءات الخارجية السورية، شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا، على دول خارجية تسعى نحو تحقيق مصالحها المباشرة فحسب، ومن ثَمّ، فإن ضمان إعادة بناء الدولة السورية المقبلة يتطلب التخلص من تلك الولاءات وتأثيرها، عبر إعادة تعريف المصالح الوطنية تعريفًا واضحًا، ووضع تصور عقلاني وواقعي لشكل العلاقة المقبلة مع كل من تركيا وإيران والخليج ومصر، مع التأكيد المستمر على أن تلك القوى لا تسعى إلا إلى مصالحها، وأن على سورية أن تكافح -في المقابل- لتحقيق مصالحها والدفاع عنها، وقد تتطابق أو تتباعد مع مصالح أولئك اللاعبين. تجدر الإشارة -هنا- إلى أن التركيز على القوى الإقليمية لا يعني التقليل من نفوذ ومصالح قوى دولية، كروسيا بالدرجة الأولى، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية، لكن تلك القوى لا ترتبط مباشرة بحال الاستقطاب المجتمعي الحاصل في سورية؛ بسبب الخصائص الثقافية المتقاربة التي تتمتع بها القوى الإقليمية، ويهدد تدخلها باستمرار تفتيت النسيج المجتمعي السوري لأجيال مقبلة.

من المهم -أيضًا- على الأحزاب السياسية التي ستضطلع بمهمة العمل السياسي في الدولة المقبلة أن تتشكل على أسس وطنية جامعة، بحيث تتوجه في خطابها إلى الطيف السوري عبر التركيز على المصالح المشتركة والأمن الوطني العام، وتراعي تمددها أفقيًا على كل الخريطة الجغرافية والديمغرافية، وأن تعمل على إعادة تشكيل الهوية السورية ضمن هذا السياق، مع العلم أن هذا الشأن -بالذات- يجب العمل عليه مبكرًا، ويجب إيلاؤه أهمية قصوى في أثناء صوغ الدستور السوري للدولة المقبلة، ومن المفترض أن ينص على مبادئ فوق دستورية، وقانونية، تقدم الضمانات الكافية لجميع المكونات السورية.

إن المعوقات في وجه هذا المشروع الوطني كثيرة وكبيرة، ولعل أهمها النفوذ الذي باتت تملكه القوى الإقليمية الفاعلة في سورية، وتسعى إلى تعزيزه على المدى البعيد عبر اتفاقات اقتصادية وتجارية واستثمارات، مثلما تفعل إيران، أو عبر توافقاتها البينية، مثلما يحصل في أستانا، إضافة إلى أن قوى الأمر الواقع الفاعلة في سورية، سواء أكانت من المعارضة أم النظام، وسواء أكانت الفصائل الإسلامية المتشددة أم الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا، ستشكل أحد أهم العقبات في بلورة مشروع وطني سوري، ويضاف إلى ذلك استمرار الشحن الطائفي في المنطقة الذي يتجاوز الساحة السورية المحلية، والدم السوري الذي جرى تجييره واستغلاله لصالح رؤى مشبوهة تختصر الحرب السورية والثورة السورية في صراع طائفي، ولا تضعه ضمن إطاره الوطني التحرري الأوسع. يعني ذلك أن سورية المستقبل، يجب أن تكافح ليس لإسقاط النظام فحسب، بل لإسقاط المعارضات أيضًا، السياسية والعسكرية، ذات الولاءات الخارجية، إذ باتت مكشوفة اليوم لطيف واسع من الشعب السوري.

لقد تعاملت الثورة ونخبها ببراغماتية مع قوى الأمر الواقع، العسكرية المعارضة، وكان الهدف من ذلك الضغط على النظام، ودفعه لتقديم التنازلات المطلوبة، وحل عقدة الأسد، خطوةً أولى ولازمة؛ للبدء بإعادة بناء الدولة السورية في مرحلة لاحقة. اليوم، وبعد أن بات هذا التصور سرابًا بحكم التدخلات الخارجية الروسية والإيرانية لصالح النظام، فإن المتاح أمام المعارضة هو إعادة تشكيل نفسها على أساس مشروع وطني، والبدء بعمل سياسي تفاوضي جاد؛ لتحقيق الممكن من المكتسبات، مستفيدة من الفرصة التي تتيحها الهدنة الهشة القائمة التي أخمدت نسبيًا صوت السلاح، لكن دون أن تقلل من تأثيره وأو تضع حدًا لنفوذ أمراء الحرب الذين أفرزتهم المذبحة السورية. تبدو المهمة شائكة، وقد يراها بعضهم مستحيلة؛ لأسباب كثيرة، تطرقنا لها في هذا المقال، ويضاف إليها عزم النظام، ومن خلفه إيران على الاستمرار في الحل العسكري، وسعيه لإعادة إخضاع سورية تحت قبضته المهشمة، لكن في المقابل، فإن التشاؤم المفرط الذي يعيق العمل البراغماتي والعقلاني والواقعي، لن يسهم أيضًا في حل محتمل، وسيترك الساحة لانتهازيين ومأجورين؛ كي يستمروا في تفتيت سورية، والاستمرار في استغلال آلام وجراح شعبها.

مقالات ذات صلة

إغلاق