مقالات الرأي

من يحب اللاجئين السوريين ومن يكرههم

غرد ضاحي خلفان تميم، قائد شرطة دبي سابقًا: “اللي [الذين] منعهم ترامب من دخول أميركا المفروض يُمنعون حتى من دخول الصومال”. وفي اللوحة ذاتها التي تَعرضُ مأساة اللاجئ السوري، وتستغرق معظم خريطة العالم، تظهر لافتة حمراء بطول ستة أمتار أسفل تمثال الحرية في نيويورك، كتب عليها المواطن الأميركي دايفد: “مرحبًا باللاجئين”. قال دايفد لموقع فيوجن: “أنا الذي وضعت اللافتة، وهذا أول رد على قانون منع السفر الذي فرضته إدارة الرئيس، دونالد ترامب، الذي يقف في وجه المبادئ الأساسية التي بُنيت عليها الولايات المتحدة الأميركية”.

في تغريدة أخرى كتب ضاحي خلفان تميم: “تدفّق الجاليات المتخلفة إلى بلد يجعلها متخلفة [يجعله متخلفًا] حتى لو كانت أميركا”. أحد المغردين السوريين رد على ضاحي خلفان: “لابد أنك لا تعرف شيئًا عن تاريخ السوريين وتحضرهم!”. مغرد سوري آخر كتب له: “إن عدد حملة شهادة الدكتوراه من السوريين يساوي عدد سكان الإمارات”.

هل نقص المعرفة والمعلومات هما السبب في مواقف مسؤولين في بلدان كثيرة، من بينهم عرب ومسلمون؟ أم إنها تعبير فظ عن مواقف عنصرية، وأحيانًا طائفية، كما في حال ترامب الذي ميز بين اللاجئ السوري المسلم والآخر المسيحي، وتصدى له المسيحيون السوريون بالرفض المطلق لهذا المنطق.
خلال السنوات الأربع الماضية انفقت تركيا نحو 5.72 مليار دولار لإطعام وتوطين اللاجئين الذين بلغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة، بدا ذلك الرقم الضخم وكأنه يشكل عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا ترزح تحته تركيا، إلا أن أنقرة قالت: إنها تتوقع نموًا اقتصاديًا تصل نسبته إلى 3 بالمئة هذا العام، ولبنان التي تضم نحو 1.8 مليون لاجئ، شهد -أيضا- نموًا اقتصاديًا وصلت نسبته إلى 2 بالمئة، أما الأردن، حيث يعيش نحو 630 ألف لاجئ، فتوقعت نموًا اقتصاديًا يصل إلى نحو 3 بالمئة هذا العام.
تدفقُ اللاجئين السوريين -إذن- إلى أي بلد يعني، وفق معادلة الربح والخسارة، زيادةً في الناتج الوطني. وعلى الرغم من وضوح الأرقام ودلالتها، فإنها لم تمنع وزير الخارجية اللبنانية، جبران باسيل، من القول: الحلُّ الوحيد للاجئين السوريين هو في عودتهم إلى بلدهم؛ لأن بقاءهم في لبنان خطر عليه. وزير البيئة اللبناني، محمد المشنوق، ذهب في اتجاه مختلف عندما عدّ أن نسبة تلوث الهواء في لبنان ارتفعت بشكل ملحوظ لعدة أسباب، في مقدمتها توافد أكثر من ميلون و800 ألف لاجئ سوري! ونقلت صحيفة النهار اللبنانية، الخميس 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، عن المشنوق قوله: إن دراسة أجرتها وزارة البيئة حول تقييم أثر الأزمة السورية في البيئة في لبنان، برهنت على أن الأزمة أدت إلى زيادة الانبعاثات الهوائية الملوثة نحو 20 بالمئة؛ مقارنة مع العام 2010، وقدر قيمة ما وصفه بـتدهور نوعية الهواء بعد اللجوء السوري بحوالي 151 مليون دولار سنويًا. وتساءلت الصحيفة اللبنانية عن السبب الذي دفع مشنوق إلى تجاهل النفايات المتراكمة في الشوارع، ورفعت نسبة تلوث الهواء الى حد كبير، واتهام السوريين بالظاهرة؟ وتشهد لبنان بين الحين والآخر حملات منظمة من تيارات حزبية ودينية تنادي بطرد السوريين، والتضييق عليهم، متهمة إياهم بجميع المشكلات التي تصيب البلد. والملفت أن اللبنانيين والسوريين كانوا شعبًا واحدًا قبل خريطة “سايكس بيكو”، وأن معظمهم ينتمون إلى العائلات نفسها؛ ما يعني أن هناك محركات للتمييز لا علاقة لها بالحقيقة.

في الغرب يتغير الموقف من اللاجئين السوريين على وقع نشاط تنظيم الدولة أو القاعدة، في استطلاع أُجري الصيف الماضي، قال 63 بالمئة من الأميركيين: إنهم يرون أن الهجرة شيء جيد لبلدهم، ولكن في استطلاع أخر، أجرته شبكة بلومبرج بعد هجمات باريس، وجد أن 53 بالمئة من الأميركيين لا يقبلون بوحود اللاجئين السوريين. وكان المرشحون الجمهوريون لرئاسة أميركا أكثر وضوحًا في موقفهم خلال حملاتهم الانتخابية، فالسيناتور تيد كروز أكد أنه إذا فاز بالرئاسة، سيُصدر تشريعات من شانها منع اللاجئين السوريين من دخول بلاده، وتعامل بن كارسون مع القضية بطريقة أكثر شراسة، فوصف اللاجئين بالكلاب المسعورة. أما دونالد ترامب؛ فأعرب عن شكه بالقادمين الجدد، فقد يكون بينهم “دواعش”. وهنا تصبح المواقف المعلنة عناوين لسياسات شبه سرية مرسومة للمنطقة سلفًا! لأن المرشحين الديموقراطيين -أنفسهم- الذين تجنبوا التصريحات العنصرية لم يحركوا ساكنًا تجاه تلك المواقف المشينة، بل اتخذوا مواقف مخجلة أمام هول الكارثة الإنسانية التي عصفت -وما تزال- باللاجئين السوريين، فقد وافق برني ساندرس على اقتراح أوباما بتوطين 10 آلاف لاجئ، وكل من هيلاري كلينتون، ومارتين أومالي، اقترحا إعادة توطين 65 ألف لاجئ على مدار السنوات الخمس المقبلة، وهذا ما تراه مجلة تايم الأميركية حلًا لا يتناسب مع الكارثة الانسانية التي يعانيها ملايين اللاجئين السوريين. تبدو تلك المواقف السلبية ضد اللاجئين السوريين خارج حدود الوقائع والتاريخ أيضًا؛ إذ تثبت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومات الغربية والعربية أن نسبة الجرائم التي ارتكبها السوريون في بلادهم تكاد تكون صفرًا، وتقترب من الصفر -أيضًا- في الأعمال الإرهابية، مقابل الجرائم والأعمال الإرهابية التي نفذها مواطنوهم. ومن المفارقات المدهشة في التاريخ البعيد والقريب أن نجد السوريين يرحبون باللاجئين من الجنسيات المختلفة. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مثلًا، انتقلت الجماعات الشركسية الهاربة من الإبادة الجماعية في موطنها؛ لتستقر في لواء “ماراش” التابع لولاية حلب شمالي سورية، تبع ذلك قدوم ألف شركسي عام 1872؛ ليستقروا بالقرب من مدينة حمص وعلى هضبة الجولان، وخلال الحرب العالمية الأولى -عام 1915- وصل النازحون الأرمن إلى حلب ودير الزور ومسكنة والشدادي والحسكة، وكان أغلب النازحين من النساء والأطفال، وحتى عام 2011، كان يعيش في حلب قرابة الـ 60.000 أرمني، هم أحفاد أولئك الذين قدموا إلى المدينة مطلع القرن الماضي. وفي عام 1943، في أثناء الحرب العالمية الثانية، استقبلت حلب وحدها 12 ألف يوناني. وفي عام 1948 استقبل السوريون مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين توزعوا على معظم المناطق السورية. وخلال عام 1996 مع عملية “عناقيد الغضب” الإسرائيلية، هربت مئات العائلات اللبنانية إلى سورية؛ إذ وفر لهم السوريون المأوى والأمان. ومرة أخرى في تموز من عام 2006، نزح حوالي 250 ألف لبناني، استقبل السوريون منهم أكثر من مئة ألف، وأسكنوهم بيوتهم، وتقاسموا معهم اللقمة. ومثل ذلك الترحيب حظي به نحو مليون ونصف عراقي، قدم معظمهم إلى سورية عام 2003.  يشعر اللاجئ السوري بالنبذ من أناسٍ توقع منهم الحفاوة ردًا للجميل. ويشعر أن تهديد تنظيم الدولة، ومنظمة القاعدة يشملهم قبل أن يهدد الغرب والشرق الأقصى وإيران، الذين يتغاضون عن جرائم الأسد الذي يعدّه اللاجئون المصدر الأول للإرهاب، لكن ما يثلج صدورهم -في المقابل- مواقف نبيلة لمعظم شعوب الغرب، وبعض حكامها. قناة (CNN) أجرت حوارًا مع جاستن ترودو، رئيس حكومة كندا الذي قال: إن بلاده ترحب باستقبال النازحين والفارين من الحروب والاضطهاد. وكتب على حسابه في تويتر: الكنديون يرحبون بكم، بصرف النظر عن عقيدتكم. التنوع هو مصدر قوتنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق