تحقيقات وتقارير سياسية

السنة السادسة من عمر الثورة السورية… لكل بضاعة مروجها

تكاد السنة السادسة من عمر الثورة السورية، الأزمة السورية، الحرب السورية، الكورس السوري العالمي، الملهاة السورية، أو الدراما والمأساة السورية، ولتسمى أو توصف ما شاءت الرؤى ورغبت، أن تحطّ رحالها، أو تنتهي، أو خلصت، أو وئدت الفتنة، أو تفتح صفحة جديدة، أو تقفل صفحات وصفحات من زمن الرعب والقتل، الإرهاب أو التمرد، وللمبدعين في الوصف انتقاء تعبيراتهم، وكل بحسب ما يرغب، فكل بضاعة لها مروجها ومريدوها، وما أكثر “دكاكيننا”!!

لابد من التنبيه إلى أن التحليل السياسي والفكري والنقدي لم ولن يتوقف مادام الفكر، مثلما النقد، مثلما الإبداع أو النكوص، صناعة بشرية لا تستنفد أحدًا، ولا تقلل من شأن أحد مادام الغرض هو التوصيف، وربما النقد، ولن يكون النقد نقدًا إلا إذا امتلك جذره الأول في المعرفة، وهو المقايضة والتبادل وصناعة “الطفّ” والفارق لمن استطاع إليه سبيلًا، وما “التآمر” المبيت على المأساة بالسخرية إلا شكل من النقد، اشتد ألمه!

ولكيلا تقع الجملة النقدية في مطبات التكرار الواردة في تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها المرعية، كالعفو الدولية، ومراسلون وأطباء بلا حدود، والمنظمة الدولية لإغاثة اللاجئين، وهيئات ومجالس حقوق الإنسان وقرارات مجلس الأمن بنكهة الفيتو الروسي أم غيره، وأيضا من جنيف 1 إلى أربعة جنيفات، ومئات اللقاءات والمدن التي تعمل في توصيف وحل المسألة السورية، وكلها بالمجمل تقول: هذا البلد المنكوب ليس آمنًا أبدًا، ومأساة شعبه لابد أن تتوقف، فقد ضاهت الحرب العالمية الثانية في عدد مدن الدمار والمشردين والمغلوبين على أمرهم تحت آلة القتل اليومي.

ولازال رهط من السوريين، والديمومة صفة الاستمرار والتعاقب، لهم ما على السوريين من حقوق، ولهم مثلهم من واجبات، يفتتحون دكانًا هنا ويستحدثون متجرًا هناك، ولغة الحوانيت والبيع والشراء والمساومة لغة سائدة في الحل والترحال، وكأنهم على كوكب آخر مختلف! ولماذا هذا الإقصاء والتجني، فلربما من مات منا، ومن تشرد في شتات الأرض وعواصم الدنيا، ومن دفن أطفاله بيديه، ومن اقتات طعم الظلم علقمًا وذاق مرارة حنظله، ومن دُفن في الحياة ومعه كثير من القدرات والأحلام، وربما كانت المدن السورية المدمرة هي في الكوكب الآخر! فكل شيء جائز وكل شيء مباح مادامت المسألة مسألة مساومة وبازار!

فأمير المؤمنين الشيوعي رغمًا عن أنف انهيارها الأممي، ما زال يحلم في موسكو عاصمة للخلافة الماركسية، ويفتتح دكانًا فيها، وآخر في حميميم، وثالث في الزوايا المظلمة من المتبقى من دمشق أو السويداء مثلًا، ولم تراوده نفسه أبدًا أن يفتح بضعًا من عين على جدلية الهوية والحياة المستمرة في نكبة السوريين! وبضاعته رائجة في محاربة “الإرهاب” عدو الشيوعية اللدود. ونزعته الرومانسية في الحب والمراهقة ما بعد الخمسين أو الستين، ولربما السبعين أيضًا تراوده نفسه في شهوة الحكم، في شهوة الأممية من موسكو، لا بل من دمشق أيضًا! وليتها كانت حبًا رومانسيًا خالصًا، أو متقدة جنسيًا كعهد الشباب، بل نكوص في الحب الأيديولوجي وغرق في وهم الفاعلية السياسية والخصاء المعرفي.

دكاكين شيوعيينا، ويا لكثرة عددها من قبل ومن بعد! -والاستثناء حق وواجب لكل اكتفى بصمته ترقبًا أو خوفًا، فهذا حق والثورة، ثورة الكل مشارك أو صامت أو متألم في إثر خبر- تروج في حوانيتها بضاعة روسية تتغاضى عن طائراته وعن مدافعه وتستمع بشيوعية مصدرها موسكو، وموسكو قد تخلت عن الشيوعية منذ 1991، وربما قبلها منذ جدار برلين المهدوم عام 1989، وباتت تدور في فلك مافيا تجارة السلاح وشركات البترو-غاز الدولارية العالمية أيضًا، وهذا حقها، بوصفها دولة، في تقرير ما تشاء من مصير أو استراتيجية.

ودكاكين قوميينا، وخلفائهم الخالدين، دكاكين الرسالة الخالدة، الممانعة والمقاومة ورمي إسرائيل في البحر، لازالت تحتفظ بحق الرد سوى بالشتيمة لكل من خالفها رأي، وليتها اكتفت بهذا؛ بل لازالت تصر على أن طريق القدس يمر من حلب في أقصى الشمال، في مفارقة فاضحة للنص المقدس في المنطلقات النظرية واللحمة الوطنية والأمة الواحدة!

وبين هذه وتلك، تتآلف اللغة وتقترب طرق التفسير، ويتحقق الجمع الوطني في متجر كبير يشبه المولات العصرية، بتنوعه وغزارة أصنافه في جبهة وطنية داخلية ديمقراطية معارضة، ولا يعلم أحد عدد زوارها أو صفاتها أو قدراتها الفذة على التأليف بين القلوب! فتجمع بين حناياها ممثلًا عن كل عاصمة ومنصة من دمشق إلى حميميم إلى موسكو، فالقاهرة وأستانا وبيروت اليوم، وهذا متجر آخر يفتتح! متجر بنكهة ليبرالية تاريخية تمتد في الجذور، وما أدراك ما الجذور، فجذور بناء دولة مدنية سوقت لتجارة الوهم المدني والعمل السياسي في خلطة عجيبة التركيب، بل سحرية الأنموذج ومصطفيها منشورين في كل بقاع الأرض السورية! فلا عجب أنها أول منصة أسقطت النظام في اجتماعات فندق رمسيس 2011، بحسب أمير جهادها، وبقيت صامدة في حضن الوطن تبني جذرًا هنا، وتسقي آخر هناك، في شبهة ساسوية زائفة، بينما كان الباقون يسحقون قبل أن تبدأ مظاهراتهم السلمية والمدنية!

وليس فحسب، بل كل صاحب دكان ينم على جاره، يزاود في روعة بضاعته، ولم ترف لهم جفن في موت مئات الآلاف، ولماذا قاموا بثورة لم تنضج أحوالها الطبقية والموضوعية بعد؟ يتساءل صاحب متجر عريق في السياسة! ولم يقض مضجعهم أو بضع من ليلهم مئات الآلاف من المعتقلين والمعتقلات، ولماذا لم تكتفوا بثورة البعث من قبل، وبرسالته الخالدة، وتكونوا من أعمدة دكانها؟ يطالعك حانوتي عربوي مشبع بالممانعة والمقاومة على ناصية منصة! ولم يروا بعد أو يجيبوا عن سؤال واحد فقط: هل ربحت تجارتكم؟ وليكن السؤال مخالفًا: ماذا كنتم ستخسرون لو ربحتم قلب السوريين ودموعهم ودعوات الثكالى والمنكوبين! وكل الخشية أن تأتي تجارة الأيديولوجيات هذه والدكاكين المغرقة في الترهل بربح يكون وبالًا على أصحابه، فلا بلح الشام ولا عنب اليمن.

ماذا عن الحرية مناط الأخلاق في الأيديولوجية الألمانية لدى ماركس، وماذا عن جدلية العقل في الدفاتر عن الديالكتيك لدى لينين، ومن قبله هيغل، ماذا عن روح غيفارا؟ أين تيتيو ونهرو وناصر؟ وأين أكرم الحوراني حين وزع أرضه على فلاحي حماة؟ وأين ميشيل عفلق وحمود الشوفي وغيرهم ممن ماتوا خارج حدود الوطن؟ ألم يدرك بعد شيوعيونا وقوميونا أنهم هرموا، وليتهم رددوا (هرمنا) خلف التونسي العريق! وهرمهم في الفكر قبل الممارسة، في الرؤية قبل الأهداف والشعارات، وليتها لا تتكرر تلك الجدالات في أممية أو قومية، وليكن كل على هواه، قبل أن تمسح دمعة عن عين طفل أخذت القذيفة أباه، أو عن بكاء عجوز دفن أطفاله وفلذة أكباده في غارة موسكوفية شيوعية أو قومية!

لا عجب، أن يعتقد بعضهم، والاعتقاد حق الرأي والرأي الآخر، أن نقد الشيوعية والقومية اصطفاف مع الجهاد والإرهاب! ولكن لحكمة في التاريخ ومساره المتقدم في حلقات، وإن تأخر موسم جني ربيعها، لدى السوريين ثمة خيار مختلف عن كل الدكاكين، وعن كل الجهاديين والإرهابيين، خيار واحد أسمه أرض للجميع، وطن للجميع، دولة للجميع، حب للجميع، ويدركون ملء إرادتهم أن لا “اسلاموية” تشفي غليلهم، ولا “ماركسوية” أو “قوموية” أو “لبرلة” نفعية تكفي طموحهم، هم أدركوا وتيقنوا أن درب الدولة الوطنية طويل وعسير، ما بقيت دكاكين الأمس لم تفرغ من تجارتها بعد، ومادامت لغة القتل والتخوين هي منصة ككل المنصات، وكل يمتلك أدواتها في تشريح الجسد، مثلما الروح والهوية والعقل، فلله ما أعطى ولله ما وهب، ولماركس أيضًا، وقبله آدم سميث، رأي في فضل القيمة بين دكان يندثر وأمة تتشكل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق