تحقيقات وتقارير سياسية

القاعدة ومشتقاتها: “جند الأقصى” يكشف ارتباطه بتنظيم الدولة الإسلامية

على غير عادته بدا مفيد وصديقه طلال سعيدين، وحين استفسرنا منهما، قالا: إن “منطقتنا” استعادت هويتها واستقلالها من سيطرة “جند الاقصى”، بعد احتلال استمر ثلاث سنوات. مفيد “60 سنة” معارض مخضرم من بلدة “طيبة الامام” الواقعة شمال حماة، عرف المعتقلات في عهد الأسد الأب، والتحق بثورة 2011 مبكرًا، وقدًم أحد ابنائه شهيدًا، واعتقل ثم أفرج عنه برشوة. عندما عُسكرت الثورة شارك مع أبناء البلدة في تشكيل فصيل مسلح؛ لمنع دوريات الاستخبارات والجيش من استباحتها، بعد تكرار الانتهاكات، وسموه بلواء “الغر الميامين”. يسرد قائلًا: في 2014 فوجئنا بمسلحين غرباء ينتشرون في مناطقنا، يرفعون رايات سودًا، تتوسطها صورة المسجد الأقصى، ويتميز مقاتلوها بلحى طويلة، ولهجات عربية، سعودية ويمنية وعراقية وفلسطينية ومغاربية. عرفنا أنهم “سرايا القدس”.

في البداية كانوا “أوادم” عاملوا السكان بتهذيب، ولما تمكنوا، أسفروا عن وجه آخر، صاروا ينتهكون خصوصيات الناس، ويفرضون أحكامًا دينية مستهجنة، ثم مدوا تسلطهم على الثوار والمعارضين، فاعتقلوا وعذبوا وأعدموا من يتبنى أفكارًا وطنية وديمقراطية بتهمة بالكفر، واستولوا على اسلحة الفصائل الموالية للجيش الحر، وطردوها من المنطقة التي صارت “إمارة” خاضعة للجماعة. طلال صديق مفيد من البلدة نفسها، قاتل في لواء “الغر الميامين” الذي يتبنى خطًا وطنيًا معاديًا للأسد، ويضم زهاء 400 مقاتل من أبناء المنطقة. اعتقله لواء “جند الاقصى”، وتعرض لتعذيب، يجزم بأنه “يفوق تعذيب الاستخبارات السورية وحشية” ودانته محكمتهم “الشرعية” بالكفر؛ لاعتناقه الديمقراطية، وارتباطه بالجيش الحر، ولا يطبق شرع الله، وحكمت عليه بالإعدام. وبعد وساطات مكثفة، استبدل الإعدام بالفدية، 120 ألف دولار، ثم خُفض المبلغ بعد مساومات إلى 40 ألف دولار، سددها أهله بعد أن باعوا أملاكهم واقترضوا الباقي! عاثت الجماعة فسادًا في المنطقة طوال أربعة أعوام، وبدلت ولاءاتها بين تنظيم القاعدة، والولاء المستتر لتنظيم الدولة، وشكّلت هويتها الحقيقية أحجية معقدة لا يمكن فك طلاسمها، ولولا أنها اصطدمت بـ”هيئة تحرير الشام” أخيرًا، لما استطاع أحد إجلاءها عن المنطقة الممتدة بين ريف حماة الشمالي وجنوبي إدلب.

اتخذت “الهيئة” قرارًا بتصفية حليفتها السابقة، بعد أن تأكدت من ولائها لتنظيم الدولة، ولكن وساطة الحزب التركمانستاني المقرب من الطرفين تكللت باتفاق، يسمح بانسحابها إلى الرقة بأسلحتها الخفيفة، وبدأ تنفيذه يوم الإثنين الماضي 20 شباط/ فبراير.

هذا الفصيل أحد فصائل كثيرة اكتنفت الشكوك هوياتها الحقيقية، وأدوارها في سورية، وتمويلها وأهدافها. ولكن ما لا شك فيه أنها ذات إمكانات لا تتوفر إلا للدول، وقد تخصصت بالتسلل إلى المناطق التي حررها ثوار سورية الوطنيون، وأكملت ما عجز النظام عنه، وخاصة التنكيل بالحاضنة الشعبية للثورة، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتصفية المعارضين والناشطين والثوار، ومحاصرة فصائل الجيش الحر، بل وبعض الفصائل الإسلامية الوطنية.

ما “جند الاقصى”؟

في مطلع 2012، وبينما كانت الثورة الشعبية في أوجها، وصل محمد يوسف العثامنة، “مولود في بغداد 1962″، ويُكنّيه أنصاره بأبي عبد العزيز، إلى سورية. فلسطيني الأصل، عراقي المولد والنشأة. في ثمانينات القرن الماضي التحق بالجهاد الأفغاني، وقاتل مع عبد الله عزام واسامة بن لادن، وارتبط بالقاعدة، واعتنق أفكارها، وبعد هزيمة السوفيات عاد للعراق، وشكّل مجموعة جهادية، نسفت متجر خمور ودار سينما في بغداد، ولكن الاستخبارات العراقية اكتشفتهم، فأعدمت الجميع ما عدا “أبو عبد العزيز”؛ إذ حكمت عليه بالسجن المؤبد “!”، وأطلقته قُبيل الغزو الأميركي، فالتحق بجهاديي القاعدة، وقاتل مع الزرقاوي، وأصبح أبرز قادتها الأمنيين، وفقهائها، وتخرج على يديه كبار الجهاديين العراقيين، يتقدمهم أبو عمر البغدادي.

في 2008 غادر العراق؛ لأسباب غير مفهومة، وعاش في الخليج؛ حتى اشتعلت الثورة السورية. كان الرجل معروفًا بعلاقته بالقاعدة، بحكم ماضيه، ولذلك؛ احتل موقعه بين أوائل رجالها الوافدين إلى سورية، وعندما انقسمت بين “نصرة” و”تنظيم دولة”، لم ينحز إلى أي منهما، واستثمر مكانته لرأب الصدع بينهما، ولما أخفق، تجاوزهما وشكل “سرايا القدس”، ثم غير اسمها إلى “جند الأقصى”، وكان خطها العقيدي خط القاعدة السلفي الجهادي المتشدد نفسه.

أثارت الحركة منذ شهورها الأولى ريبة الفصائل السورية، وتعمقت الريبة بعد سلسلة اغتيالات غامضة، طالت قادة “جبهة ثوار سورية”، والجيش الحر، و”أحرار الشام”، واتجهت الأدلة إليها. فوقعت صدامات مسلحة بينها وبين عدة فصائل، وأدى لاغتيال “أبو عبد العزيز قائدها” ومؤسسها. حل “أبو مصعب سراقب” محل قائدها المقتول، ونجح في تقويتها عسكريًا؛ حتى باتت عام 2014 قوة رئيسة، وتعمق سلوكها الشرعي، أي: تطبيق الشريعة على المواطنين، وزاد غلوها بازدياد نفوذ الشرعيين. قُتل أبو مصعب بسرعة، وخلفه أيمن فرواتي “أبو دياب السرميني” الذي واصل المنهج نفسه. ومع ازدياد العداوات والتناقضات مع الفصائل الأخرى، وخاصة “أحرار الشام”، تحالفت الجماعة مع “النصرة” لتحتمي بها! ولكن كثيرين لاحظوا مؤشرات تشي باقترابها من تنظيم الدولة، بعد تنامي قوة هذا، واستيلائه على الموصل ودير الزور والرقة، واتهمها معظم الفصائل بأنها “حصان طروادة” للتنظيم في إدلب وحماة. واستفحلت جرائمها ضد الفصائل والمواطنين، على حد سواء، فأطلقوا عليها اسم “جند الأفعى” وأدى صراعها مع “أحرار الشام”، في خريف 2016، إلى إفشال خطة تحرير حماة التي بدأتها فصائل وطنية وإسلامية، ما عزّز الشكوك بها، والخوف من غدرها، بما فيهم “النصرة”، ولذلك؛ فكت هذه تحالفها معها، فاتهمتها الأولى بالكفر، وهي تهمة تبيح القتل بحسب عقيدتها، وردت “النصرة” التي أصبح اسمها “هيئة تحرير الشام” بقرار تصفيتها، ووقعت اشتباكات عنيفة بين “أخوة المنهج” منذ الشهر الماضي، كانون ثاني/ يناير الماضي. فتوسط الحزب التركمانستاني بينهما، وأبرم صفقة خروج “الجند” من مناطقهم الحالية إلى الرقة بأسلحتهم الفردية؛ ما كشف حقيقة ولائها لتنظيم الدولة الذي ظلت تنفيه ودورها الإجرامي.

وقبل أن تنسحب، أعدمت 130 -150 معتقلًا، دفعة واحدة، وألقتهم في بئر، ثم نسفته لتخفي معالم جريمتها المروعة، وأكملت قبائحها بتدمير أسلحتها الثقيلة؛ لكيلا يستفاد منها! ويؤكد أبناء المنطقة أنها قتلت مئات المعارضين والثوار والمدنيين خلال سنوات “حكمها”. انهارت -إذن- “إمارة جند الأقصى” الداعشية، كبيت العنكبوت، وتكشفت طبيعتها الافعوانية، ولكن الذين كانوا يديرونها في الخارج سيظلون مجهولين، ولا سيما أن بعض المنشقين عنها أكدوا وفرة أموالها؛ مما مكنها من تجنيد 1000-1500 مقاتل، ووفرة أسلحتها التي كانت تصلها بانتظام. يضيف منشق آخر: كل قادتها وشيوخها أجانب، عراقيون وفلسطينيون وخليجيون وأردنيون ويمنيون ومصريون ومغاربة، هوياتهم غامضة، ينتحلون أسماء مستعارة، يتزوجون نساء سوريات، ثم يتركونهن عندما يرحلون فجأة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق