قضايا المجتمع

المصالحات… نظام الخدعة والجريمة

بعد أن فقد النظام قدرته العسكرية على استرجاع مناطق يعدّها استراتيجية، لجأ إلى “المصالحات والهدن” طريقةً وحيدة لإعادة تلك المناطق والبلدات الخارجة عن سيطرته إلى نطاق نفوذه، وتحديدًا قرب دمشق، لكن “مصالحات” النظام لا تأتي في سياق “المصالحات الوطنية” الشاملة التي يراد منها التأسيس لوطن يتسع لجميع أبنائه، وإنما فعلها ويفعلها على طريقة القهر والإكراه وإملاء الشروط؛ إذ لا “مصالحة” عُقدت دون تفريغ المناطق من سكانها وتهجيرهم إجبارًا الى إدلب، إضافة إلى أن لا “مصالحة” تمت إلا بعد حصار وقصف وتجويع.

قال نيلسون منديلا يومًا: “الظلم يسلب كلًا من الظالم والمظلوم حريته”، لكنه قال أيضًا: “التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل”. كان برنامج المصالحة في جنوب أفريقيا، بعد عقود من حكم التمييز العنصري بحق السود، من أهم التجارب الناجحة، لأنه منع اندلاع حرب أهلية شاملة، فقد اعتُمد قانون لتعزيز وحدة البلاد، من خلال المصالحة الوطنية عام 1995، وذلك من خلال التصويت في البرلمان، واستنادًا إليه جرى تأسيس (لجنة المصالحة والحقيقة)، وقد تمتعت اللجنة بصلاحيات استثنائية وكبيرة، ومنحت حق “الاستدعاء والتحقيق”، وتقديم توصيات وتقدير دفع التعويضات.

بحسب المركز الدولي للعدالة الانتقالية، مُنحت اللجنة بموجب القانون أيضًا، صلاحية مهمة، وهي إمكانية “منح العفو” في بعض القضايا. استفادت سيراليون في القارة السمراء من تجربة جنوب أفريقيا الناجحة، وأسست عام 2002 (لجنة الحقيقة والمصالحة)، وقامت بعملها الذي أوقف نزيف الدم.

أسس النظام السوري في منتصف العام 2012، وزارة جديدة في حكومته، أطلق عليها “وزارة المصالحة الوطنية”، إذ ألقى بعهدتها وأوراقها الثبوتية -كافة- للوزير علي حيدر من الحزب السوري القومي الاجتماعي.

لم تهتم الوزارة بإنجاز “مصالحات” خارج جغرافية “سورية المفيدة”، فلم تتوجه إلى أرياف الرقة ودير الزور وحلب وغيرها من المحافظات السورية، بل تبعت خارطة سورية المفيدة التي تبدأ، عند النظام، من محيط دمشق مرورًا بحمص وصولًا إلى الساحل السوري، وما عدا ذلك سقط متاع.

مفهوم “المصالحات” عند النظام يختلف عنه في دول خاضت التجربة، ونجحت فيها مثل جنوب إفريقيا؛ لأنها ببساطة كانت تنطلق من الشعور بالمصير المشترك بين مكونات الشعب ضمن الدولة الواحدة، في حين أن النظام السوري، و”سورية الأسد”، لا يقبلان القسمة على اثنين. فبدلًا من ترسيخ حكم القانون، والبدء بالتحقيقات التي هي أساس المصالحات، بعد بيان حقوق الناس، كان “المصالحات” عبارة عن املاءات وشروط يفرضها النظام على المناطق المحاصرة، ولا تؤسس لسلام مستقبلي مستدام.

إن عمل وزارة المصالحة واللجان التابعة للنظام التي تديرها أجهزة الأمن، هي في الحقيقة لجان لتكريس الشرخ الاجتماعي، وتثبيت الجريمة، وإعطاء نصر للمجرم، وإن كان شكليًا، وهي تعميق لحدة الانقسام في المجتمع.

مشت روسيا على خطا النظام، وبعد أن تدخلت عسكريًا لدعمه، أنشأت في قاعدة حميميم العسكرية باللاذقية “مركز المصالحة الروسي”، مهمته ممارسة الضغط على أهالي المناطق التي يريد النظام فرض “مصالحات وهدن” عليها.

في جنوب أفريقيا التقى طرفا الصراع أمام اللجان، لأجل مداواة الجراح وإحياء روح الجماعة التي تسهم في بناء المجتمع، مقابل عقود من الظلم والتمييز العنصري.

بدأ نظام الحكم في جنوب أفريقيا سياسته بالفصل العنصري بالبلاد، عام 1948، وارتكب البيض مجزرة “شاربيفيل” بحق السود عام 1960، وذهب ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، وعقبها الإعلان عن القتال المسلح لإسقاط النظام. أدّت اللجنة في تلك البلاد دورًا رائدًا في مداواة جراح المجتمع، دون أن تهدر حقوق الضحايا.

في سورية التي تشهد ثورة لأجل العدالة والحرية والكرامة، يصر النظام على إهدار الكرامة والقفز فوق العدالة وانتهاك حرية وحقوق الناس. شروط المصالحات التي تدعي روسيا أنها تعمل عليها، هي محاولة مستمرة لإعادة تثبيت شروط الحرب بطرق جديدة، حيث تكريس مفهوم الثأر والانتقام.

من المؤكد أن مناطق، مثل داريا ومعضمية الشام مع وادي بردى وغيرها من قرى ريف دمشق، قبلت بـ “مصالحات” مع النظام، بعد حصار مرير، استنفدت فيه المعارضة والمقاتلون والمدنيون كل طاقاتهم؛ ما دفع للقبول بشروط النظام، بوصفه مخرجًا أخيرًا للمحافظة على حياة المدنيين. كفل النظام بخروج المقاتلين حماية دمشق وجعلها محصنة، وهو ما يعمل على تكراره في حيي القابون وبرزة، والغوطة الشرقية.

لم يكتف النظام بتضييق الخناق على السوريين في الداخل، فهو يلاحقهم في لجوئهم، إذ أعلن تشكيل لجنة مصالحة في أوروبا، وجعل برلين مقرًا لها، داعية “أبناء الوطن” في المغترب إلى “تسوية أوضاعهم”.

تستمر الأمم المتحدة، والمبعوث الدولي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، بتقديم تقارير تعبر عن قلقهم تجاه ما يجري، لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي ما جعلت السوريين يتهمون المنظمة الدولية بتغطية النظام في عمليات التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي الذي يجري بعد تلك “المصالحات”.

إنها بكل المقاييس معادلات غير متكافئة على الإطلاق، وتخالف كل الأعراف وتقاليد المصالحات التي يفترض أنها تضمن حقوق الطرفين، مثلما جرى في تجارب بعض الدول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق