مقالات الرأي

في نهاية الإسلام السياسي

الناظر إلى اللوحة السياسية والعسكرية في سورية، سيرى أن كل شيء يقول بأن الإسلام السياسي والطائفية التي أججها النظام هي المسيطرة. وهذا القول ليس بخاطئ أوليًا؛ فالقضية التي يجري تجاهلها هنا، هي ممارسات النظام وتلك القوى، وانعكاسها على حياة السوريين، فأيّ ممارسات انتهجها النظام وتلك القوى؟

الواقع يقول بأن تلك الجماعات والنظام ذاته، انشغلوا بالهيمنة المطلقة على المجتمع، وشكّلوا سلطات شمولية، قمعت الناس دون رحمة، وارتُكبت المجازر وسجنت وبطشت بالناشطين الأوائل للثورة، ولعبوا دورًا في التضييق والحصار، ولم يكن الأمر مقتصرًا على النظام والمليشيات الطائفية، من “حزب الله” وبقية المليشيات.

النتيجة هنا، أن الشعب الذي هُدر دمه باسم الدفاع عن النظام، أو في معارك الجهاديين والسلفيين، هو المتضرر الحقيقي، هو من عانى الأمرين، ومن ثمّ؛ يريد هذا الشعب التخلص من النظام ومن تلك الجماعات. ولهذا عنونتُ مقالي بـ “في نهاية الإسلام السياسي”، وطبعًا لا يمكن قبول بقاء النظام بعد أن فعل ما فعل. الكلام يخص المعارضة والموالاة، فالجميع تضرّر، والموقف الرافض للطرفين سيظهر حالما تدخل سورية في مرحلة جديدة، مرحلة الاستقرار السياسي.

هناك اتفاق على إنهاء “داعش”، وبعد سقوط حلب، وإحكام السيطرة على إدلب، فإن الأنظار تتجه لإنهاء فتح الشام/ النصرة، ويشمل الاحتجاج الشعبي القوى السلفية، كأحرار الشام وجيش الإسلام والتشكيلات الطائفية الأصغر؛ وقد رأينا كثيرًا من الاحتجاجات الشعبية العارمة في الغوطة أو إدلب أو سواهما، وتقول بأن لا مستقبل لجماعات الإسلام السياسي في سورية، الأمر كذلك سيكون في المناطق التي يسيطر عليها النظام؛ فمسألة دعم النظام كانت لحسابات شتى، ولكن إطالة أمد الثورة والحرب والتدخلات الخارجية، وتحكّم إيران وروسيا و”حزب الله”، وقتل مئات ألوف الشباب، وبقاء ممارسات الفساد ذاتها، نقول: كلُ ذلك يؤشر إلى تململ واسع، ورفضٍ كبير للنظام ذاته. يمكننا الاستنتاج -هنا- أن أغلبية الشعب السوري مع الخلاص من النظام والإسلام السياسي، وأكاد أقول من المعارضة أيضًا.

وبما أن المعارضة المكرسة إقليميًا ودوليًا أصبحت في نظر الأغلبية كاذبةً، ومُلحقةً، ومساهمةً في إطالة الكارثة السورية، وليس النظام وحده، يبقى السؤال للسوريين المنشغلين بالسياسة وسواهم: ما العمل؟ كيف يمكنهم تهيئة الأرض لما بعد الاستقرار، وبداية الحل السياسي. وطبعًا لن نتجاهل هنا تعدّد الاحتلالات التي باتت واقعًا، كالاحتلال الروسي والإيراني والتركي والأميركي.

ربما سيقول بعضهم: وهل من نهاية للصراع قريبة؛ ليصبح الكلام سليمًا؟ هناك جدالٌ كبير في هذه النقطة، تكرّر كثيرًا، وهناك كثير من التوقعات، وكلها كانت تنتظر حسمًا روسيًا للعلاقة مع إيران، أو تنسيقًا أميركيًا- روسيًا، يُفرض على النظام والمعارضة، ويأتي في هذا الإطار القولُ بوصول أطراف الصراع إلى أسوأ الأوضاع، وحينئذ يُفرض الحل عبر التنسيق الروسي- الأميركي. ولمناقشة هذه القضية سنقول: باتت أغلبية الفصائل المسلحة مُلحقة بدول إقليمية ودولية، والنظام ذاته أعلن أكثر من مرة عجزه عن مواجهة الفصائل، وعن نقص جيشه للإطار (الكادر) البشري، ولولا التدخل الإيراني الذي فشلَ، والتدخل الروسي، لما تمكن من البقاء، إذن؛ انتهى الوهم بحل عسكريٍّ ممكنٍ من جهة الفصائل. وظلَّ النظام و”داعش” و”فتح الشام” الوحيدين الذين ما يزالون مؤمنين بإمكانية تغيير الوضع عسكريًّا؛ و”داعش” هذا، هناك إجماع دوليٌّ وإقليميٌّ ومحليٌّ على إنهائه، وكذلك فتح الشام؛ القضية التي ما تزال عالقة هي مستقبل النظام بالتحديد.

في النقطة الأخيرة تكمن مشكلة سورية، بالتحديد، فالنظام أس كل مشكلات سورية ومآلاتها الكارثية، وهو نظامٌ رافضٌ للاعتراف بما آلت إليه الأوضاع في سورية من سلفية وجهادية واحتلال، وما بات عليه ملايين السوريين بين تشردٍ وقتل ودمار لمدنهم. إن ما أنقذ النظام هو التوافقات الدولية على تجنب إسقاطه، وليس الاحتلال الروسي وحده، ولا سيما أن نتائج إنهاء النظام العراقي والليبي كانت كارثيّة بكل المقاييس، وكذلك ما قدمته السلفية والجهادية من نماذج تكون المفاضلة معها لصالح النظام وليس لصالحها بالتأكيد. إذن؛ لم يكن هناك إجماعٌ دولي ولا إقليمي حقيقي على إنهاء النظام، ولهذا؛ ففي الوقت الذي ضعفت فيه الفصائل، وقبلت بالدور الروسي، ولا سيما بعد اجتماع أنقرة وآستانا، فإن النظام وإيران هما من رفض تلك التوافقات، ولكن -أيضًا- روسيا لم تضغط عليهما، وهذا خطؤها الكبير، فقد فوتت فرصة المرحلة الانتقالية بين أوباما وترامب؛ لفرض نفسها بوصفها احتلالًا كاملًا، وبموافقة النظام والمعارضة، وهذا موضوع آخر. ونضيف أن أوروبا صمتت كذلك، وليس لتقرير منظمة العفو الدولية أثر مهم، بخصوص الموقف منه، فما زال مُمثَلًا في الهيئات الدولية، وما زال النظام هو الممثل الشرعي فيها للدولة السورية، ومن ثم؛ هناك توافق دولي على تصفية بنود جنيف الأول، والكلام عن حكومة انتقالية بيدها كامل الصلاحيات، وأن البديل هو إيقاف اطلاق النار، والبدء بمناقشة شكل الحكم والدستور والانتخابات، أي: إن النقاش لا يطال تغيير النظام، بل إصلاحَه، ووفقًا للرؤية الروسية.

أطلنا لنقول، هناك محاولة لفرض نظام حكم يمثل مصالح الدول الاقليمية والعالمية على السوريين، وسيكون النظام الحالي، وقسم من الفصائل والمعارضة، هي ذلك النظام. الإشكالية هنا، أن القوى التي أسهمت في مأساة سورية، ستكون هي الممثلة للسوريين. نقاشنا هنا بالتحديد، فكيف يمكن صوغ بديل عن القوى المفروضة خارجيًّا على السوريين؟

لا يمكن نقاش هذه القضية دون معرفة الواقع، كما هو. الواقع الذي وصفناه آنفًا، بأن مدنًا مدمرة، أي بلا بنية تحتية، ومصانعَ وأراضيَ متعطلة عن الإنتاج، وملايين العاطلين عن العمل، ويرافق ذلك وعيٌ بسيطٌ، دُفع نحو الهوية الدينية، وغياب تام للقوى الجذرية المُعبرة عن واقع ومصالح الناس، وهذا سببٌ كبيرٌ لسيطرة القوى الإسلامية، من ناحية، وكذلك لغياب برنامج اقتصادي وسياسي وتعليمي وثقافي يخص مطالب الناس الواقعية.

هذا الواقع الصعب، ووجود احتلالٍ خارجيٍّ، وتجربةٌ مرّة مع الإسلاميين والنظام ذاته، قد يدفع الناس ليتقبلوا مجددًا تلك القوى؛ ألم يترحم بعض الناس على صدام حسين أو القذافي؟ لإغلاق الطريق أمام مصير كهذا، لا بد من قوى سياسية وثقافية جديدة، قوىً تنظر إلى سورية بوصفها بلدًا لجميع السوريين، وتنبذ النظام والمعارضة معًا، وتطرح قضايا الناس مثلما قلنا. وكون سورية باتت على الأرض، فإن كل برنامج سياسي يجب أن ينطلق من الاقتصادي، أي: كيفية النهوض بسورية صناعيًا وزراعيًا وإعمار المدن، وكذلك ألا يتجاهل الدور السياسي للناس؛ ليمثلوا أنفسهم عبر مجالس محلية وتجمعات سياسية، وضمان أن يديروا هم شؤونهم، بما لا يناقض القوانين العامة في الدولة.

انتهى الإسلاميون في سورية، وكذلك النظام؛ فهل ستتشكّل قوى سياسية جديدة، تكون بديلًا جذريًا، وتنهض بسورية، وتنهي الاحتلال المتعدّد؟ العمل -هنا- بالتحديد.

مقالات ذات صلة

إغلاق