مقالات الرأي

حول تبعية قوى المعارضة السورية

في استشعار وهمي بقرب الحل السياسي التفاوضي، برعاية أساسية من روسيا، تكاثرت منصّات المعارضة السورية (حميميم، موسكو، أستانا، القاهرة، بيروت، الرياض)، وربما نجد في المقبل من الأيام منصّات أخريات، في إطار التزاحم على تمثيل الطيف المعارض، إذ ترتبط كل منصّة بعاصمة إحدى الدول المتدخلة في القضية السورية، وهو ما يطرح مجددًا مسألة تبعية المعارضة للدول الإقليمية، وسواها من القوى الدولية، ودور تلك التبعية في تحويل المعارضة ذاتها من طرف رئيس في الحل إلى طرف هامشي، وربما ديكوري، بلا أي وزن حقيقي.

قد يرى بعضهم أن انفتاح المسألة السورية على التدويل جعل الخارج جزءًا من هذه المسألة، وأن المعارضة لا تستطيع أن تنفك أو تتحرر من سلطة الخارج على الملف السوري، وأنه من الصعب، قياسًا إلى الشرط الموضوعي الوطني، أن تتمكن المعارضة من بناء علاقة ندية مع القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل من الطبيعي، بل من الضروري، أن تكون ثمة مظلة خارجية لعمل المعارضة.

في هذه الرؤية التي يُراد منها أن تكون موضوعية ثمة ما هو حقيقي وواقعي، بل -ربما- منطقي، لكن تلك الموضوعية هي ذاتها التي أوصلتنا إلى هذا التعدد المرضي في المنصّات، ويوحي، بل يؤكد أن ما يفرّق قوى المعارضة أكثر مما يجمعها، خصوصًا أن الدول الراعية للمعارضة لم تصل في ما بينها إلى توافقات حول شكل الحل السياسي المزعوم، في وقت يتنظر فيه بعض اللاعبين الإقليميين دورًا مختلفًا للإدارة الأميركية الجديدة، في إطار تغيّر منتظر من إدارة ترامب تجاه الصراع في الشرق الأوسط، والعودة الأميركية المتوقعة إلى التحالف التقليدي مع دول الخليج.

لكن، بعيدًا عن تفاصيل الواقع الإقليمي والدولي، وبغض النظر عن فوضى الحالة السورية، فإن عملية تقويم تبعية المعارضة السورية للخارج لا تستقيم من دون فهم الخلل الذاتي للمعارضة نفسها، إذ لا يكفي التخفي وراء الأسباب الموضوعية لمنح الذات صك براءة، وإعفائها من تحمل الأخطاء، وإلا فإنه لا معنى للرؤية والإرادة في العمل السياسي، وهما الأمران اللذان افتقرت إليهما المعارضة، بدرجة كبيرة خلال السنوات الماضية.

يحيلنا الواقع السياسي السوري إلى الزمن الكولونيالي، حيث يفرض المستعمر الخارجي على الشعوب ممثليها السياسيين، ولا تعود هناك أي أهمية لوزن الممثّل السياسي، إلا بقدر ما يخدم مصالح الدولة المستعمرة، وهو ما ينطبق بشكلٍ أو بآخر على الحال السورية التي بات فيها الوطن خاضعًا لعدد من الاحتلالات المباشرة وغير المباشرة، وباتت القوى السورية، سواءً العسكرية أو السياسية، وأيًا يكن موقعها، تبرر العلاقة مع أحد المحتلين، انطلاقًا من مبررات أيديولوجية موجهة لجمهورها، وحسابات مصلحية ضيقة، لا تمت بصلة إلى المسألة الوطنية بوصفها القضية الأعم والأشمل.

وتبدو قوى المعارضة، في قبولها للعب دور التابع للقوى الإقليمية والدولية، فاقدة الثقة بكياناتها، أو امتدادها الجماهيري، حيث أن معظم التشكيلات الراهنة تتصف بأنها حالة سائلة، بكل ما تحيل إليه حالة السيولة من هشاشة على مستوى البنية التنظيمية من جهة، وفقدان العمق الحقيقي من جهة أخرى، إذ إن كلّ التيارات السياسية، سواءً التاريخية منها أم المستجدّة، هياكلُ نخبويةٌ فحسب، تقودها بضع شخصيات، ومنها ما ينتقل من هذا الموقع إلى ذاك من دون أدنى حرج، إذ لا توجد فعليًا مؤسسة سياسية حقيقية، تحاسب وتكشف أسباب تحولات قياداتها في الرؤى والمواقع السياسية.

لقد خدمت، ولا تزال، هذه الحال الهشة للكيانات السياسية المعارضة القوى المتصارعة في سورية، فلم يعرف عن قوى الاحتلال أنها اعتمدت على قوى وطنية حقيقية، إذ إن القوى الوطنية الحقيقية لا تقبل أن تكون مجرد بيدق في أيدي القوى الخارجية، يمكن رميه بسهولة، والاستغناء عن دوره، فالقوى الوطنية، على الرغم من اعترافها بدور الخارج، إلا أنها تعّول -أولًا وأخيرًا- على امتدادها الجماهيري في تبني مواقفها السياسية، وتشعر بالثقة الضرورية والمطلوبة في قبول أو رفض ما يطرح عليها من حلول.

وبناءً عليه، فإن الموقع الذي تحاول أن تحوزه هذه المنصّة، أو تلك من منصّات المعارضة لا يعكس -بالضرورة- تمايزًا وطنيًا وسياسيًا وأخلاقيًا عن الآخرين، بقدر ما يعكس حالة التنافس بين المنصّات نفسها، وبين القوى الداعمة لها، إضافة إلى أن محاولة إشغال السوريين بخلافات سياسية من هذا النوع يكشف غياب التوافقات السياسية، بين القوى الإقليمية والدولية، حول مخرجات الحل السياسي، ومحاولة رمي الكرة في ملعب السوريين أنفسهم، وتحويل الأنظار عن السيناريوهات بعيدة المدى، في حسابات تقاسم النفوذ بين القوى الخارجية لسنوات، وربما لعقود مقبلة.

إن مخاطر التبعية السياسية للخارج ليست مخاطر آنية فحسب، فمخرجات التفاوض السياسي قد تكرّس بعض تلك القوى إلى أمد بعيد، بوصفها وكيلة للقوى الخارجية، مع ما يمكن أن يفرض من أشكال الحصار والتضييق على نمو قوى سياسية وطنية، أكثر التصاقًا بمصالح الشعب السوري، وهو الأمر الذي عرفته دول عدة شهدت حالًا قريبًا من الحال السوري، بهذا القدر أو ذاك؛ ما يعني أن السلم الأهلي السوري المنشود لن يكون سوى سلمًا هشًا، وبلا آفاق تنموية حقيقية لمبدأ المواطنة، وما ينطوي عليه من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية.

مقالات ذات صلة

إغلاق