مقالات الرأي

صليب “الأب باولو” وعطا الله حنا ” الإسخريوطي”!

لم أتفاجأ بانحياز الأب باولو إلى الثورة السورية منذ يومها الأول، ولا بتنقلاته بين المدن السورية الوسطى؛ لينضم إلى المتظاهرين فيها، وليدلي بدلوه في قضية الحرية للشعب السوري؛ ليصل به المطاف إلى الرقة، لمواجهة أمراء تنظيم الدولة الإسلامية المجرمين الإرهابيين، اعتقادًا منه بقبولهم لغة الحوار. ولا أريد تصديق أنه قُتل على أيديهم.

فمن الأحاديث التي تداولناها معه خلال زياراتنا المتكررة للدير، تعرفنا إلى إنسان حقيقي، يؤمن بتكامل الحضارات، ووحدة بني الإنسان، ويكره الظلم والقتل، ويبشر بالسلام الحتمي في العالم. وكان يعرف صعوبات الدرب الذي مضى إليه، منذ حطت قدماه أرض القلمون في 1981، ليعيد ترميم الدير المهجور والمهدم (دير مار موسى الحبشي)، بيديه وأيادي متطوعين من أبناء القلمون وحمص.

بجهد الأب باولو والمتطوعين، من المؤمنين بأفكاره المناهضة للظلم والفساد والخراب الذي يجتاح العالم، عاد “دير مار موسى” صرحًا في أعالي الجبال، ينشده الحالمون والفنانون والباحثون عن المجهول في التاريخ. كان باولو جيدَ الإصغاء، قليل التحدث، كثير الأسئلة والتساؤلات. سألنا عن الصهيونية وإسرائيل، وعن الأدب العربي والحب وتربية النحل وعالم الإنترنت وسلطة التكنولوجيا، وأدلى بآرائه إدلاءً مختصرًا في القضايا المختلفة، دون تعنت أو تشدد. وفي زيارة لاحقة، بعد أن أهديناه نسخة من كتاب د. الياس شوفاني (الموجز في تاريخ فلسطين)، صرَح لنا بأنه قرأ، وبلغات عدة، كتبًا عن فلسطين وإسرائيل، لكن كتاب شوفاني مميز بدقته وعلميته ومنهجيته، وطلب منا أن يلتقي مع الياس، فكان جواب المرحوم شوفاني، أنه سيذهب إلى الدير ليلتقي باولو هناك.

رجلان يتقن كل منهما ثلاث لغات عالمية على الأقل، ويلمَان بلغات أخرى قديمة، منها الآرامية- السريانية، لغة السيد المسيح. فإن تحضُر حديثًا بينهما، تتخلله وقفات مع مقاطع آرامية، ومقاربات للأدب الأسطوري والديني، وعلاقتهما بالتاريخ، ذلك معناه، زيادة على المتعة، اكتساب معارف جديدة عن هذا العالم، وتحديدًا الشرق. فالياس شوفاني رجل تاريخ متخصص بتاريخ الشرق الإسلامي، وباولو راهب يسوعي مستشرق، يطمح إلى إعادة المكانة إلى وحدة الحضارات وتكاملها.

اقترح الأب باولو فكرة، في ذلك اللقاء سنة 1999، تنظيم مسيرة نحو القدس، تبدأ من ” أور” موطن ابراهيم الخليل، مبينًا أن القدس في نظره ليست يهودية، وإسرائيل تزيف التاريخ، وللرد عليها يجب حشد أكبر عدد من الناس، ومن جميع البلدان، ومن الأديان المختلفة، للدخول الى القدس تحت شعار: ” القدس ليست يهودية”، وذلك بمناسبة الدخول في الألفية الثالثة لميلاد المسيح.

كانت فكرة مدهشة، طرحها رجل لاهوت حالم، ومنحاز إلى الحقيقة والعدالة. ووعد باولو أن يحشد بنفسه أعدادًا كبيرة من الأوروبيين؛ للمشاركة في المسيرة، سيرًا على الأقدام نحو القدس. وكانت الدلالة عظيمة في روح الفكرة وأبعادها، لكن النقاش مع الياس شوفاني، بحضوري، فتح الأفق على نقطتين:

الأولى؛ وكانت صادمة للأب باولو، حين قال شوفاني: إن ابراهيم الخليل ليس شخصية حقيقية، فالاسم تدوير لفظي لاسم ” آب رحيم” وكان يطلق على الكاهن الأكبر في بلاد الرافدين، تحول مع الزمن إلى ” إبراهيم”، واعتُمد في تاريخ الأديان بوصفه حقيقة.

الثانية؛ عن العقبات التي تعترض نجاح هذه المسيرة، في إشارة إلى الدول العربية التي سيعبر منها المشاركون في الرحلة، من ” أور” إلى القدس. مع تأكيد شوفاني تأييده الفكرة، سواء أكان هناك إبراهيم أو ” أب رحيم” لا مشكلة.

فعلت وجه باولو ابتسامة، فيها دهشة من اعتراض وأسئلة، حول قصة” إبراهيم الخليل”، وعلق بهدوء: هيك يا دكتور نسفت كل التاريخ، وأردف أنه سيعود للبحث عبر القراءة الموسعة في هذا الأمر. واتفقنا، برغبة منه، على اللقاء في دمشق في منزل الياس شوفاني. وكان اللقاء، ولم تكن نتائجه تناسب رغبة باولو، لأنه فهم من شوفاني أن النظام لن يسمح بمرور المسيرة من سورية نحو القدس عبر الأردن، وتفاجأ أكثر حين عرف أنه ليس على علاقة حسنة مع نظام حافظ الأسد، وتساءل بشيء من الدهاء”: هم يقولون إنهم ضد إسرائيل ومع فلسطين”؟! واقترح عليه شوفاني أن يستطلع، يعني باولو، إمكانية قبول النظام بعبور المسيرة من سورية. وعلمنا منه -لاحقًا- أن النتيجة سلبية.

يستطيع الأب باولو دخول القدس دخولًا قانونيًا بجواز سفره الإيطالي أو الكنسي، لكنه أراد السير على درب يسوع ضد الظلم والقهر والاغتصاب، من أجل البسطاء والفقراء والمظلومين، ولم تكن الرهبانية المسيحية عنده صلوات في الكنيسة وتراتيل للكتاب المقدس، فهذه الأمور يقدم عليها مطارنة ورجال دين مسيحيون، غير أنهم إلى يهوذا الإسخريوطي أقرب منهم إلى درب يسوع، درب الجلجلة وحمل الصليب. فالمطران الراحل ” كبوتشي” ختم حياته إسخريوطيًا في وقوفه إلى جانب الدكتاتور في سورية، ضد حرية المظلومين من الشعب السوري. ومثله فعل المطران “عطا الله حنا” بانحيازه للسيف؛ مستهترا بالدم السوري المسفوح يوميًا منذ ست سنوات. وما انفك يدلي بتصريحاته على الفضائيات الممولة من طهران، دعمًا للطاغية وأسياده في موسكو وطهران. لا أحد كان سيطالبك بالنزول إلى الشارع دعمًا للشعب السوري “يا نيافة المطران”, لكن ضميرك إن كان مسيحيًا حقيقيًا كان على الأقل يلزمك برفض سفك دماء الأطفال السوريين، وقتل شيوخهم ونسائهم، وتدمير مساكنهم وتهجيرهم من بلادهم، أكثر مما فعلت الصهيونية، التي تتبجح بمقاومتها، بتهجير شعب فلسطين.

يهوذا الإسخريوطي أخذ رشوة من اليهود؛ ليقول للرومان: إن يسوع قد خان الإمبراطورية، وعاد فندم وقتل نفسه. لكن وصمة العار بقيت تلازمه وستبقى. أترك يا “سيادة” المطران تبجحات المقاومين الممانعين التي انخرطت معهم في ترديدها، للنيل من السوريين وحريتهم، وتعطيهم غطاء من ” رجل دين”، كان الأجدر به -على الأقل- إن لم يشأ دعم ثورة الحرية في سورية، أن ينأى بنفسه عن المجاهرة بدعم الطاغية القاتل؛ فأنت لم تحمل صليبك كالسيد المسيح، وتمضي الى درب الجلجلة، حملت رداء المطرانية لتحوله إلى مهزلة.

ما فعله الأب باولو، وكثير من رجال الدين المسيحيين، هو التعبير عن روح المسيحية، وليس ما فعله الإسخريوطيون من أمثالك يا عطا الله، من حاملي درجة المطرانية؛ وحتى البابوية.

كتب باولو آخر عبارة له في حسابه في “الفيس بوك”: ” تذكروني في صلاتكم إن استطعتم ذلك”. وكانت له أمنية دخول القدس؛ لنزع الشرعية عن احتلال إسرائيل لها، فهو جدير بلقب أيقونة الحرية. وستنطبع صورة وجهه على مناديل مئات السوريات، كصورة يسوع على منديل “فيرونيكا” التي مسحت به وجهه، وهو يحمل صليبه في درب الجلجلة.

باولو داليليو المجد لك.

مقالات ذات صلة

إغلاق