هموم ثقافية

عن هموم الثقافة في الصحافة

لابد أن يثير التساؤل عن وظيفة ومهمات الصحافة الثقافية في عالمنا العربي -اليوم- كثيرًا من الشجون، ويؤدي إلى ضروب من العودة إلى أمثلة باتت الآن حبيسة خزائن الأرشيف، بعد أن طواها النسيان تحت وطأة التطورات المتسارعة التي مسّت المجتمعات العربية، على اختلافها، منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي، وبلغت أوجها قبل ست سنوات مع الحراك الثوري في عدد من البلدان العربية.

من الممكن العودة إلى الصفحات التي ملأها حضورًا طه حسين والعقاد ومصطفى صادق الرافعي وإبراهيم المازني وسواهم، ممن تركت مقالاتهم وسجالاتهم أثرًا لا يمكن إنكاره أو تجاهله في تطور النظرة إلى الأدب، إبداعًا ونقدًا وممارسة، سواء بسواء. كما أن من الممكن استعادة تجارب أسهمت، دون أي شك، بصورة أو بأخرى، وعلى اختلاف اتجاهاتها الفكرية أو الأيديولوجية، في تطوير الوعي الفكري، وفي اكتشاف مواهب ما كان لها أن تجد طريقها إلى الجمهور لولاها، كمجلة الآداب والثقافة الوطنية والأديب، على سبيل المثال لا الحصر، في لبنان، أو المجلات التي برزت في مصر في النصف الثاني من القرن الماضي، على إثر تلك التي عرفها نصفه الأول، كالكاتب المصري لطه حسين، والرسالة لأحمد حسن الزيات، والتي سادت طوال أواخر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي: مجلة المجلة، والطليعة، والمسرح والسينما، دون نسيان الصفحات الثقافية في الصحف القومية الكبرى فيها، من الأهرام بالطبع، إلى الأخبار وأخبار اليوم والجمهورية..إلخ. أتاحت هذه الصفحات والمجلات، على اختلافها، ظهور أجيال عديدة من الكتاب والأدباء والشعراء، مثلما أتاحت، أيضًا، ظهور نقاد بارزين كانوا استمرارًا لتقاليد في التجديد، أرساها أسلافهم ممن دشنوا طرق الحداثة في الفكر وفي المنهج نظرًا وتطبيقًا.

يكاد كل ذلك يبدو اليوم “من نشوة الماضي”. لا لأن النظم الاستبدادية حاولت تأطير الثقافة والمثقفين فحسب، ولا لاختفاء كل أثر للحرية، أو حتى لهامش ضئيل منه في الحياة العربية طوال ما ينيف عن نصف قرن فحسب، بل أيضًا، بفعل الانتقال السريع على الصعيد العالمي كله إلى عصر الثورة الرقمية التي باشرت فعلها الحاسم على مختلف مستويات الحياة المعاصرة، ومن القمة إلى القاعدة، ولا سيما في العالم العربي في السنوات الثلاثين الأخيرة.

ومن ثمَّ، لابد من إعادة صوغ الأسئلة في ضوء ما جرى ويجري على هذا الصعيد. ذلك أن الحدث الذي شهدناه قبل ست سنوات في عالمنا العربي، يمثل، في حقيقة الأمر، وعلى الرغم من كل ما تلاه مما يمكن أن يشي أو يوحي بتلاشي مفاعيله، قطيعة معرفية وتاريخية مع الماضي، القريب منه والبعيد. سقطت جدران الخوف جميعها، وكذلك مختلف الأكاذيب الأيديولوجية التي كان لها طوال عقود لبوس الحقائق الراسخة. فالأصوات المكمومة والمكبوتة خرجت فجأة تعلن وجودها، وتحتل كل مكان بقوة المعنى والدلالة: في الشوارع وعلى صفحات الصحف الورقية، بل خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة. ثم ما لبثت أن احتلت، وبالفعل ذاته، صفحات المواقع الإلكترونية التي برزت على الشاشات حرة من كل قيد، جنبًا إلى جنب، مع مواقع الصحف الأخرى، “الرسمية” أو “التقليدية”، القديم منها والجديد. وكان هذا الهامش الواسع من الحرية أول مكسب حقيقي لهذه القطيعة مع الماضي. حرية لن تتمكن من الوقوف في وجهها، مثلما جرى من قبل، ضروب الحجب أو المنع التي مارستها ولا تزال تمارسها بعض الأنظمة العربية، كلما كان الأمر يتعلق بالموضوع السياسي أو الفكري، ما دام تفاعل الأفراد والجماعات مستمرًا في الشبكات الاجتماعية عبر إعادة نشر ما ينشر على هذا الموقع أو ذاك بنصه الكامل، وبسبب الاستحالة العملية لتحقيق هذا المنع.

من الصعوبة بمكان إحصاء المواقع الجديدة التي تتكاثر كل يوم في فضاءات الشبكات العنكبوتية، على اختلافها. ومن المؤكد أن معظمها لا يحظى بقوة الاستقبال الذي تتمتع به أشد المواقع الرسمية عدّة وقدرة. ولعل هذا ما يضع على كاهل المواقع الثقافية التي تعيد إنتاج الصفحات الثقافية الورقية، أو تلك التي أنشئت؛ كي تحل محل هذه الأخيرة، مسؤولية أشد ثقلًا من تلك التي كانت من قبل في مرحلة التحول الجارية اليوم. ليس المقصود بالمسؤولية هنا، تلك التي مارستها أنظمة القمع والاستبداد طوال نصف القرن الماضي، وتحت شعارات خلابة، بقدر ما هي كاذبة. بل تلك التي تمسّ طرق فتح الآفاق الجديدة أمام هذه الأجيال الصاعدة التي أعادت الأمل التاريخي في انتفاضتها قبل ست سنوات، وبرهنت عن مواهب وقدرات بلا حدود.

إذ لا يكفي موضوعيًا أن تتماهى هذه المواقع مع الشبكات الاجتماعية، بحيث تستحيل منابر مفتوحة الأبواب، دون أي قاعدة مهنية صارمة تميزها وتضمن لها سلطة القول المسؤول لغة ومضمونًا. فمثل هذه الأخيرة، هي التي ستسهم في وضع أسس العالم الجديد المنتظر. ولن يستقيم، من ناحية أخرى، تحت أي حجة، تجاهل الفروق بين “من يعلم” ومن “لا يعلم”، إن شئنا التبسيط والإيجاز في آن. ذلك يفرض، في الوقت نفسه، إعادة النظر بكل المصطلحات والمفهومات التي عرفتها الحقبة الماضية: مفهومات النقد، والحرية، والإبداع على سبيل المثال جنبًا إلى جنب مع الأشكال الفنية والأدبية: الشعر والقصة القصيرة والرواية والسيرة وضروب السرد المختلفة. ذلك أن التضخم الذي تشهده الحياة الأدبية الراهنة اليوم، ليست وليدة الصدفة ولا الطفرة، بل نتيجة هذا التحول الذي نشهده، ومن أولى مظاهره هذه الفوضى العارمة، والطبيعية.

ليس من الممكن أن تترسخ قواعد هذه الصحافة الثقافية الإلكترونية الجديدة، ما لم تعمل على أن تضاف إلى صفتها المنابرية صفة أخرى لا تقلُّ أهمية: أن تكون مرجعًا. وفي كل فرع من فروع المعرفة يمكن لها أن تستقبله في فضائها بلا حدود.

من المهم في سبيل ذلك أن يكون القارئ هو السبيل الهادي. فقد عمدت الصحافة الورقية، عند إنشائها مواقع خاصة بها على الأنترنت، أن تضع عدّادًا لقراء النصوص التي تنشرها في مختلف أبوابها الأساس. تكتفي، أحيانًا، بالإشارة إلى العناوين الأكثر قراءة منها من دون وضع عدد القراء، وينشر بعضها الآخر عدد القراء لكل واحد من تلك الموضوعات الأكثر قراءة. إلا أن ثمة مواقع عمدت إلى وضع عداد خاص بكل مقال منشور، بما يتيح لمسؤولي التحرير إمكان وضع رسم بياني لأكثر الموضوعات استقبالًا لدى الجمهور، واستخلاص الدلالات وفق عدد من المعايير التي يراها كلّ واحد منهم من موقعه، مثلما يتيح للكاتب تقويم اهتمام القراء بما كتبه ومقدار أو أسباب إقبالهم عليه. ومن ثم فإن ما تتيحه التقنية الرقمية اليوم يسمح للمسؤول الصحفي وللكاتب معًا أن يتابعا كل ما يمكن أن يستثير اهتمام القارئ: لا على صعيد الموضوع وحده فحسب، بل كذلك على المعالجة أو المقاربة منهجًا ومضمونًا. وربما كان حريًا بالاثنين، كل منهما من موقعه أيضًا، أن يقوما بنوع من الدراسة المعمقة اعتمادًا على إحصاءات أعداد القراء والتي يمكن، انطلاقًا منها، الوصول إلى رسم نموذج إجمالي للقارئ الواقعي، من أجل الوصول إلى القارئ المُبتغى. سيكون ذلك تفاعلًا غير مباشر بين الطرفين، يمكن أن يتحول، بما تتيحه إمكانات المواقع الرقمية، إلى تفاعل مباشر عبر التعليقات والردود عليها في مرحلة أولى، ثم بتكييف العمل الصحفي والكتابي تبعًا للخلاصات التي تؤدي إليها هذه وتلك.

إمكانات جديدة لم تكن متاحة من قبل في الصحافة الورقية. لكنها تحتاج إلى وعي حادٍّ بما تمليه من مسؤوليات، من أجل استجابة خلاقة في إطار هموم الثقافة التي هي في النهاية هموم المجتمع الذي تقوله.

مقالات ذات صلة

إغلاق