أدب وفنون

السجين الذي لم تستطع تدمر كسر إرادته وتفوقه؟

قد يحدث في سورية الأسد أن يُعتقل إنسان بسبب وشاية كاذبة، ودون أن يكون له لا في العير ولا في النفير، ويخرج بعد أن يمضي اثني عشر عامًا في غياهب السجون، دون ان يعرف تهمته، ولا حكم المحكمة الميدانية التي حاكمته، تسعة منها في ذلك الجحيم، المسمى سجن تدمر، وثلاثة في سجن صيدنايا، هذا ما جرى مع “براء سراج” الذي يحكي قصته من خلال كتاب أسماه “من تدمر إلى هارفارد رحلة سجين عديم الرأي”.

اثنا عشر عامًا من 1984، حتى 1996، استطاعت ذاكرة براء السراج ان تحتفظ بها، وكأنها قرص تخزين صلب، يستخدم لحفظ البيانات على الحاسوب، فذكريات ذلك السجين عديم الرأي داخل السجون، مدونة بحسب الأيام، إذ كان يتعهدها باستمرار بالمراجعة، وأحيانا يستعين ببعض أصدقائه، كي لا ينسى شيئًا في ذلك التوثيق، الذي لم يخرج من حنايا الذاكرة، ولم يُدوّن في كتاب نهائي إلا مع بداية الثورة السورية، حينئذٍ بدأ كثير من معتقلي تدمر بتدوين سيَرهم بحروف من العذاب والقهر والخوف”، سئلت عن تدمر كثيرًا وأجيب بأنه الخوف بكل مرادفاته: الرعب، الفزع، الهلع.. اللغة لا تستطيع التعبير”.

القارئ للكتاب يلاحظ أنه قد كُتب على عجل، دون تنسيق، أو حتى علامات ترقيم، ولكنه في كل الأحوال يبقى وثيقة حية، تضاف إلى غيرها من الوثائق والكتب التي كُتبت عن تلك الحقبة المخجلة من التاريخ السوري.

براء طالب الهندسة الكهربائية المتدين الذي ما كان له هم سوى التفوق في دراسته، لإرضاء والدته، بعد ان توفي والده في الكويت وهو طفل، ومن باب الجامعة جرى اعتقاله، ليكون شاهدًا على الإجرام وضحيته في الوقت نفسه.

ومما يوثقه الكاتب أن السجانين قد استبدلوا السياط والكرابيج بمواسير المياه، ليس بهدف كسر الإرادة فحسب، وإنما لكسر العظام وتهشيمها أيضًا، ففي العاشر من تموز عام 1989، تعرض 36 معتقلًا لكسور؛ نتيجة الضرب بالبواري، في تنفس الصباح، وخلال تفقد المساء أصيب 38 آخرون، ما يعني ان أكثر من نصف المهجع البالغ عدده 130 قد تعرض لكسور مختلفة ومتفاوتة الخطورة.

كثير من القصص يوثقها براء، منها أن سجانًا مصابًا بسعار التوحش كما غيره من السجانين، أسماه السجناء أبو الشيّاب، وهو ضخم ثقيل الجسم والدم، كان يربت بلطف على كتف الضحية المطمش، ويأمره بالاستلقاء على ظهره، ليبدأ بالقفز على بطن ذلك السجين، حتى تتمزق أحشاؤه، ويقدر عدد الذي قضوا نتيجة، هذه الوحشية بنحو مئة سجين.

وحشية لا تُستغرب، إذا علمنا أن خلف مكتب رئيس سجن تدمر، كانت هناك صورة معلقة على الحائط لرقيب من الشرطة العسكرية، معلق على حبل المشنقة باللباس العسكري الكامل، ويوضح الكاتب أن هذا الرقيب اسمه بسام السباعي، وقد جرى إعدامه؛ لأنه كان يرأف لحال المساجين، ولكي يكون عبرة لكل من يأتي بعده من الشرطة والرقباء والسجانين.

ويشير الكاتب ضمن صفحات كتابه للسجناء اللبنانيين الذين كانوا يتعرضون للتعذيب الشديد، كغيرهم، وقد قضى رئيس المهجع رقم ثمانية تحت الضرب، وكان هذا المهجع مخصصًا للبنانيين.

المميز في قصة براء السراج، هو أن الكتاب يكمل السيرة الشخصية إلى ما بعد الخروج من السجن، إذ لم تستطع السنوات الاثنتا عشرة المريعة أن تلين من عزيمة براء، بل خرج أقوى إرادة على تحقيق النجاح الدراسي، الذي كان لا يفكر بغيره قبل الاعتقال، إذ غير اختصاصه، وقرر دراسة علوم الأحياء، وأن يكمل الدراسات العليا حتى الدكتوراه، ليقضي عامي ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد، وهي واحدة من أفضل وأعرق جامعات العالم. ومنذ عام 2008 وبراء محاضر في الجامعات الأميركية حول الجهاز المناعي، وتأثيره في زراعة القلب.

براء يقول: إن لديه أمنية، وهي أن يدخل إلى سجن تدمر لا سجينًا، وإنما لكي يدخل ويصور المهاجع التي كانوا يُسامون فيها سوء العذاب، ” لأتأمل، لأصلي، لأبكي إخوة لي ضحوا بحياتهم وصحتهم من أجلي، وحموني بأجسادهم، لأبقى حيًا أخط هذه الكلمات “.

يتمنى كذلك الأستاذ الجامعي عندما كتب كتابه في بداية الثورة أن يُحوّل سجن تدمر إلى متحف للدكتاتورية، في أروقته لوائح زجاجية أنيقة، توثق بالتواريخ والأسماء حجم الجريمة التي ارتكبت في هذا المكان، ولكن كيف ذلك، وقد جعل تنظيم الدولة الإسلامية عالي السجن سافله، وأزاله عن الوجود.

مقالات ذات صلة

إغلاق