سورية الآن

مارين لوبان وعقدة النقص اللبنانيّة

وصلت، الأحد الماضي إلى بيروت، مرشحة حزب الجبهة الوطنيّة للانتخابات الرئاسية الفرنسيّة، مارين لوبان، في زيارة إلى لبنان؛ والتقت برئيس “الجمهوريّة” اللبنانية، وعدد من المسؤولين السياسيين اللبنانيين الآخرين، وأطلقت لوبان، خلال زيارتها، عددًا من التصريحات السياسية بخصوص التطرف الاسلامي وحماية مسيحييّ الشرق، ودعمها لنظام بشار الأسد. وكالعادة أثارت تصريحاتها وزيارتها كثيرًا من الجدل السياسي والإعلامي.

من مارين لوبان؟ وما حزب الجبهة الوطنية الذي تتزعمه؟ ولماذا استُقبلت في لبنان في الوقت الذي رفض فيه كثير من المسؤولين الرسميين والسياسيين في العالم استقبالها؟

مارين لوبان، ابنة المؤسس والزعيم التاريخي لحزب “الجبهة الوطنية” الفرنسي، جون ماري لوبان (Jean-Marie Le Pen). وهذا الأخير عسكري سابق شارك في الحرب الهندو صينية الفرنسية (الحرب الفيتنامية الفرنسية 1946 – 1954) وكذالك في قناة السويس، في أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بوصفه أحد عناصر فوج المظليين، وفي الجزائر ضد جبهة التحرير الوطني، وقد أُتهم بتعذيب المناضلين الجزائريين بطريقة وحشيّة قبل أن يفقد إحدى عينيّه في هذه الحرب، ويعود إلى فرنسا. وبقي لوبان رئيسًا للجبهة الوطنية منذ تأسيسها وحتى عام 2011، وقد ترشح خلال هذه الفترة خمس مرات لانتخابات الرئاسة الفرنسية، 1974- 1988-1995- 2002- 2007. وعُرف جان ماري لوبان بعنصريّته وسلاطة لسانه، وأسلوبه الاستفزازي والعدواني في التعبير والتحريض على الكراهيّة العرقيّة، وميوله إلى العنف الكلامي، وحتى الجسدي أيضًا. حُكم عليه بالحرمان من العمل السياسي لمدة عامين، وبالسجن مع وقف التنفيذ لمدة ثلاثة أشهر، وبدفع غرامة مالية قدرها 3500 يورو، لأنه اعتدى بالضرب، في 30 أيار/ مايو1997، على مرشحة اليسار الاشتراكي، أنيت بولفا بيرجال، في إحدى ضواحي باريس.

أما “الجبهة الوطنية” التي يتزعمها لوبان الأب، والابنة من بعده، فهي حزب يميني متطرّف معروف بمواقفه المعادية للساميّة وللمهاجرين العرب والسود، ويدعو إلى التخلّص منّهم، وإعادتهم إلى بلدانهم الأصليّة، وإغلاق الحدود والخروج من الاتحاد الأوروبي.

من النادر أن تمرّ مناسبة، أو أنّ يحصل لقاء صحافي مع مسؤولي هذا الحزب، دون سماع تصريحات أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها أنها عنصريّة، تحضّ على الكراهيّة والحقد وصدام الثقافات.

خطاب الحزب -عمومًا- خطاب شعبوي عاطفي، يعتمد اعتمادًا رئيسًا على التخويف من الآخر المختلف، والتلاعب بالألفاظ والتهريج السياسي، والتخوين واتهام الآخرين (كل من لا يتفق مع أفكار الحزب) بالتآمر، ولا يوجد عند الحزب أي حل علميّ وعمليّ أو واقعي، للمشكلات التي يعاني منها المجتمع الفرنسي، كالبطالة والفروق الطبقية وأزمة الضواحي.

أما لماذا تراكض المسؤولون اللبنانيون، وجزء من المجتمع اللبناني، إلى استقبال مرشحة حزب الجبهة الوطنية، على الرغم من إيديولوجيته العنصرية التي دفعت بكثير من سياسيي العالم، كأنجيلا ميركل، مستشارة ألمانية، و جوستان ترودو، رئيس وزراء كندا، بل حتى دونالد ترامب، لرفض استقبالها، وعدّ استقبالها مخجلًا ومهينًا لهم، فله أسباب كثيرة، منها ما هو تاريخي، وبعضها سياسي انتخابي، وآخر اجتماعي.

لا يخفى على أحد أن لبنان بوصفه كيانًا سياسيًا مضطرب البنية، وُلد بقرار من الانتداب الفرنسي عام 1920، إذ ُضم المدن الساحلية، ومناطق الشمال، ووادي البقاع، وسفوح سلسلة جبال لبنان الشرقيّة، إلى منطقة متصرفيّة لبنان، وسميت آنذاك بدولة لبنان الكبير، وبات يُعرف -في ما بعد- بالجمهورية اللبنانية.

ولا يخفى على أحد أن هذا القرار كان نتيجة تقسيم طائفي، وعلاقات تاريخية بين الكنيسة المارونية اللبنانية وفرنسا “الأم الحنون”، مثلما يحلو لكثير من اللبنانيين عمومًا، والمسيحيين خصوصًا، توصيفها.

تحوّلت هذه العلاقة التاريخية مع الوقت، وخاصة عند المسيحيين اللبنانيين، في فترة المدّ القومي العربي وبفعل الحروب التي عاشها اللبنانيون إلى علاقة استجداء وتسوّل، من أجل حمايتهم، واستلاب -على الصعيد الفكري والثقافي- لكل ما هو فرنسي، حتّى لو كان هذا الفرنسي عنصريًا بغيضًا.

لذلك؛ وعلى عكس زيارات مارين لوبان الخارجية التي تواجَه -عادةً- بجمهور غاضب يخجل ويشعر بالعار من استقبال بلده لها؛ لأنها رمز من رموز العنصرية والفاشيّة، ويحتجّ على قدومها، أحيانًا، بقذفها بالطماطم والبيض، فإنها حظيت بحفاوة وترحيب من “الدولة” اللبنانية، وجزء من المجتمع اللبناني. هذا الجزء، كي لا نعمم، من المجتمع اللبناني لطالما حاول الانعزال عن محيطه العربي، والتملّص من هويته العربية، تارة من خلال هويّة فينيقيّة، لا وجود لها إلّا في مخيلته المُستلبة، وتارة من خلال هويّة طائفيّة متماهية حدّ الدونيّة والتبعية مع المجتمع الفرنسي.

المُخجل حدّ الألم والحزن، أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء اللبنانيين الذين يعيشون في فرنسا وحاصلين على الجنسيّة الفرنسيّة، يُصرحون، وبكل فخر، أنهم يصوتون لمارين لوبان ولحزبها العنصري. لهذه الظاهرة أسباب كثيرة ومتنوعة ومتشابكة، ولا يمكن حصرها بجانب واحد فقط، ولا يكفي أن نقول إن السمات الشخصية، كالغباء وعدم القدرة على التحليل والأنانية أو الانغلاق الفكري، هي وراء هذه الظاهرة.

أغلب هؤلاء متماه مع المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسيّة، وغالبًا ما ينظرون إلى أنفسهم وثقافتهم وهويّة بلدهم الأصلي بطريقة دونيّة سلبيّة، ويعيشون نوعًا من التبخيس الذاتي والإحساس بالنقص والخجل أمام المجتمع الفرنسي، ولكي يتهربوا من هذا الواقع النفسي تجد أنهم “ملكيون أكثر من الملك نفسه”، ولذلك؛ يعدّون تصويتهم لحزب الجبهة الوطنية دليلًا على فرنسيّتهم ورُقيّهم، ولذلك؛ نجدهم يتفاخرون بهذا السلوك.

في الواقع إن إعجابهم بمارين لوبان وبحزبها هو وسيلة دفاع أولية، يلجؤون إليها كي يثبتوا لأنفسهم، وللآخرين، أنهم متميزون وناجحون، ومختلفون عن أولئك المهاجرين غير المتكيفين، من وجهة نظرهم، على الرغم من التشابه الظاهري معهم.

إحساسهم بالدونية تجاه الفرنسيين، وتصاغرهم أمامهم، بسبب أصولهم المهاجرة أو العربية (إن اعترفوا بهذه الهويّة)، أو الشرقيّة، وعدم ثقتهم بأنفسهم، وإن أظهروا النقيض، يدفعهم لاتخاذ مواقف عدائية تجاه المهاجرين الواصلين حديثًا، وخاصةً أن هؤلاء يذكّرونهم بوضعهم المزري الذي عاشوه سابقًا، فحالهم يقول: كي تكون فرنسيًا يجب عليك أن تُظهر عنصريتك قليلًا تجاه العرب المسلمين والسود. التماهي بالمجتمع الفرنسي وبالهوية الفرنسية يحقق لهم نوعًا من الصورة الإيجابية عن الذات المجروحة أساسًا.

العامل الآخر المهم أيضًا، ولا يمكننا إنكاره، هو الطائفية تجاه المسلمين، وخاصة أن صورة هؤلاء تُعدّ نوعًا ما سلبية في المجتمع الفرنسي، والغربي عامة، لذلك؛ نجد أن أكثر استراتيجية هوياتية دفاعية منتشرة عند هؤلاء المتفرنسين من أصول لبنانية مسيحية (وسوريّة مسيحية أيضًا)، هو تعليق الصليب على صدورهم بطريقة استعراضية، استراتيجية مثيرة للشفقة أكثر ما هي مثيرة للغضب في الواقع.

ينسى هؤلاء اللبنانيون وسياسيوهم أن من ينكر ماضيه، ولا يتعامل بواقعيّة وعقلانية مع الحاضر، لا مستقبل له.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق