أدب وفنون

نجوت واعتقلوا الجثة المطوقة

صوتها الرنان الحار كان يغلي مثل دمي، “تناهبت حلبات العزّ مرتزقاااا”

ترجّلت من الحافلة مُكملًا طريقي، ساهيًا عن جعبة ثيابي، فالمحكمة مازالت منعقدة في رأسي، ماذا أفعل الآن؟ من أخبر بالذي حدث؟

زاد في حسرتي أني لم أتعرّف إلى الرجل كما ينبغي بعد، كان تنازلي عنه بتلك السهولة وعجزي عن المطالبة به وحمايته، قد ولّد في صدري شعورًا مريرًا بالندم والخذلان والضعف -لا أُنكر ارتياحي لخلاصي هذا أكيد- ولكن كيف تركته خلفي هكذا ومضيت؟! لماذا لم أطالب به ؟! كان عليّ استرجاعه أو انتزاعه من يدي ذاك الجاهل ولو بالقوّة.

القوة؟! أي قوة وهو مدجج بأدوات القتل تلك؟!

لم يكن زمهرير دمشق الليلي ما دفعني لأستقل سيارة أُجرة، بل مطرها الغزير ورياحها العنيفة.

” تناهبت حلبات العز مرتزقاااا”

ما زالت مستمرة، تردد “أمّ كلثوميتها البديعة” عندما باغتني سائق سيارة الأجرة الكهل، المدثّر بأسماله: الحمد الله على السلامة.

عفوًا: “وأنت شو عرّفك”؟!

نظر إليّ الرجل باستغراب المذهول الممتعض، “أشو عرفني لك عين عمّك؟! مو هلق انزلت من البولمان قدامي! قلنا لك حمد الله على السلامة، سامحنا خيّو، قللنا أدب”.

أعتذر يا عم ظننتك تتكلم عن موضوع آخر، الله يسلمك، شكرا لك.

بعد صمت ثقيل انتظرت سؤال الرجل عن وجهتي، ولكنه لم يفعل، مضى يقود السيارة متجهمًا، وكأنه يعرف طريقي سلفًا، واضح أنه انزعج منّي، عليّ أن أكسر تلك الحال المربكة التي صنعها لَبسٌ لا معنى له، فرحت أرنم معها ” أم كلثوميتها البديعة” المستمرة، علّ مبادرتي تريح السائق القلق الذي ارتاب في ملكاتي العقلية: “تناهبت حلباااات العزّ مُرتزقاااا”.

ضغطه القوي على مكبح السيارة كاد يُخرج رأسي من زجاجها الأمامي، غضبه وانفعاله الشديدين فاقا قدرتي على التقاط وإدراك معظم كلماته التي رماها رشًّا مبعثرًا:

” أشو خيييير، أيّا خير ولك عين عمّك؟! أشّو انت بدك تروّحنا دبلّكي؟! مستبقاااا ولك عمي مستبقاااا الله يرضى عليك، أشهد ألا إله إلا الله على هالطلب”.

تسمّرت عيناي بعيني الرجل الغاضب الخائف إلى حد الرعب، ساد صمت بدا أنه أزلي، وبدونا كحيّين عالقين في قبر معدني أصفر.

صحيح، مستبقا، “تناهبت حلبات العزّ مستبقا” هذا أكيد، نهشني اكتشاف الخلل الادراكي الذي طالني، فأنا واثق حدّ اليقين من أنني سمعتها توًا تقول: مرتزقااا، نعم الجواهري قال: مستبقا، وميادة تغنيها أيضًا مستبقا، كيف أسمعها منذ أكثر من ساعة، وفي أكثر من مكان، على هذا النحو؟!!

انثالت تلك الأسئلة في رأسي، وعيناي لمّا تزل معلقة بعيني الرجل الكهل، ما ضاعف من خوفه وارتيابه الذي تجلّى في طريقة سؤاله المخنوق الهامس المتحشرج المبلوع اللاهث:

“شو صاير معك أ خيّو؟! إيش بك عم تبحلق فيني هيك؟!!”

خرج جوابي كالطلقة: أخذوا كاتب ياسين.

“لا حول ولا قوة إلا بالله، باينتو بيعزّ عليك الزلمة، عالجيش؟ ولاّ سياسي؟!، وهوي الله يصلحو ما بيعرف إنو مطلوب؟!، كان لازم يفيّش لك عين عمك، الله يرجّعو بالسلامة، بسيطة خيّو الله يسامحك رعّبتني، قلت أشو قصة هالزلمة، ليكون عاملو شي عملي وهربان منّا نقوم نعلق فيا معو، هههههه، معلومك هالأيام ما فيّا أمان طاول طاول، روق لك عين عمّك، بيرجع بيرجع خلي إيمانك بالله كبير”.

قهقهتي العنيفة بعد مداخلته تلك أعادت الرجل إلى أول السلم، وبدا واضحًا أنه جزم أمر جنوني في خلده، أدركت أن صوغي المتعجًل لجوابي أوقعتني معه في التباس جديد، فسارعت لتصحيح الخطأ، يا عم، كاتب ياسين روائي وشاعر جزائري مات عام 1989.

” هالتكسي إلك وهبنا اياها خيو”.

قاطعتني جملة السائق تلك ورأسي ملتصق بالزجاج الأمامي للسيارة، بينما أمتشق من تحت مقعده عتلة حديدية معقوفة، وفتح باب السيارة وبدأ يصرخ كالملدوغ.

آسف آسف دعني أشرح لك يا عم لقد أخطأت التعبير.

“لا تشرحلي ولا بشرحلك روحي، خلص عوّفنا اليوم، خلصو البينزينات، بنشرنا، احترق جوان الكولاس لك عين عمك، صارت تخلط مي وزيت، أشو شربان خيّو؟  ولّا محششلك فتّيشي مضروبي؟ جننتني جننتني ولو الله، أشي أخدوه، وأشي مات، وأشي مرتزقا وأشي مستبقا، مين كاتب ومين ياسين مين اللي مات ومين اللي أخدوه ولو الله؟!، أستغفر الله العظيم، كفّرتنا ولك خيو”.

أعتذر، حقك عليّ، طوّل بالك، دعني أخبرك بما جرى معي. أخطأت التعبير ليس إلا، سأوضح لك.

عاد الرجل إلى هدوئه نسبيًا، وعلى الرغم من انزعاجه الواضح مني غير أني لمست داخله ولادة فضول يأكله؛ ليعرف ويفهم حكايتي.

أسافر في أوقات متقاربة، أحمل معي كتابًا ما أقرأ فيه ما تيسر لي، إلى أن أصل مدينتي، في كل مرة على الحاجز نفسه والشخص ذاته، يأخذ بطاقتي الشخصية للتفتيش والتفييش، كما جرت العادة، لكنني لاحظت أخيّرًا أنه يدقق في بطاقتي الشخصية مليًا، تدقيقًا مثيرًا للقلق، وكان في هذه المرة قد أخذها وطلب مني الترجّل من الحافلة، كنت الشخص الوحيد الذي طُلب منه ذلك؛ ما أثار قلقي أكثر.

بعد مرور زمن عصيب أعاد إلي بطاقتي، وطلب مني الصعود والعودة إلى مكاني، تجرأت وسألته بصيغة الخوش بوشيّة: “خير معلم؟ كل مرّة بتاخد هويتي دونًا عن الباقيين وبتفيّشها، وهالمرّة نزّلتني من البولمان في شي؟!

“والله يا حبيب شكلك موّ مريحني، مبيّن عليك مسقّف زيادة عن اللزوم، كل مرّة بشوفك متتسلى بكتاب شكل”.

“بس والله يا معلم هيك بدنا نلبكك معنا؛ لأنو أنا رايح جايي على الطريق، وهي عادة صعب عليي غيرها”

“لاااا ولا يهمّك يا حبيب، ما في سقلي أبدًا، هاد واجبنا، بعدين متتسلى بالكتب! ليش شوبو الوتس أب بطل يسوى، أ فينك تتسلى فيه؟ هات لشوف شو هالكتاب؟ شو ما تقرا هالمرّة؟”

كاتب ياسين، الجثّة المطوّقة.

” كاتب ياسين؟ شو بيقربو لياسين بقوش؟ جِسّة ومطوّقة كمان!! لعما هاد كمين يا حبيب، يلا طلاع لشوف”.

صعدت إلى الحافلة صامتًا، وعيني معلقة على كاتب ياسين، وأنا أدرك أن مصيره سيكون المدفأة.

مقالات ذات صلة

إغلاق