مقالات الرأي

وماذا عن نقد الإسلام السياسي “الشيعي”؟

تركّز معظم النقد العلماني واليساري والقومي، طوال العقود الماضية، على نقد تيارات الإسلام السياسي “السنّي، بكل تنويعاته المعتدلة والمتطرّفة، السلمية والعنفيّة، الدعوية والجهادية، في حين غضّ النظر عن تيارات الإسلام السياسي “الشيعي”، الميلشياوي والمسلح والطائفي، ولا سيما ذلك الذي صدّرته إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

قد يمكن تبرير، أو تغطية، ذلك بأسباب متعددة، أولها، أن الإسلام السياسي “الشيعي” جاء محمولًا على جناحي الثورة الشعبية الإيرانية، التي أطاحت بنظام شاه إيران، الحليف لإسرائيل وللسياسة الاميركية في الشرق الأوسط. وبديهي أن ذلك ربما أشاع نوعًا من الربط بين هذا التيار وبين “لاهوت التحرير” في أميركا اللاتينية، ولا سيما مع “الشبهات” التي كانت تحوم حول معظم تيارات الإسلام السياسي “السني”، التي بدت في اتجاهاتها الرئيسة متصالحة أو متهاودة مع أنظمة الحكم السائدة. وثانيها، أن الثورة الإيرانية صدّرت قضية فلسطين في خطاباتها، وفي سياساتها الخارجية، بعد أن كانت إيران، في ظل نظام الشاه، تعد بمنزلة أكبر حليف لإسرائيل في المنطقة، ما عزز من شعبيتها في العالم العربي. وثالثها، أن إيران، وتبعًا لما تقدم، اشتغلت على دعم المقاومة الفلسطينية، وأنشأت “حزب الله” في لبنان، الذي اطلع بدور كبير في مقاومة احتلال اسرائيل لجنوب لبنان، وإجبارها على الاندحار منه (2000)، ما رفع رصيده عند الجماهير العربية؛ علمًا أن تلك المقاومة توقفت منذ ذلك الحين رسميًا وعمليًا؛ باستثناء لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين في (2006) التي استدرجت ردة فعل إسرائيلية وحشية. ورابعها، أن تيارات الإسلام السياسي “السنّي” أشهرت أفكار الحاكمية والحدود والخلافة، في السياسة، في محاولتها استعادة ما تعتقد أنه زمن الإسلام الأول، وهو ما تجنبه الإسلام السياسي “الشيعي”، الذي يفتح على الاجتهاد، ولو بحدود.

يستنتج من ذلك أن المجتمعات العربية، أو الأكثرية “السنّية”، لم تتعاط مع إيران وفق نظرة طائفية أو مذهبية، على الرغم من أن هذه كانت تشتغل على خلق جماعات حزبية ذات طابع مذهبي في تلك المجتمعات، حيث أمكنها ذلك. أيضًا، فإن هذه الأكثرية لم تتعاط مع “حزب الله”، الذي يفترض أنه حزب للمقاومة الوطنية، على أساس طابعه الطائفي ـ المذهبي المغلق. وهذا وذاك دليل على أن “السنّة” لا يعرّفون أنفسهم بوصفهم طائفة، فهم احتفوا بانتصار الثورة الإيرانية في حينه، واحتضنوا “حزب الله”، على الرغم من طابعهما وخطاباتهما المذهبية.

لكن صورة إيران في المجتمعات العربية أصيبت بالتصدّع؛ بسبب تواطؤها مع الولايات المتحدة التي يفترض أنها «الشيطان الأكبر»، حسبما تصفها، باحتلال العراق (2003)، وبعد ذلك بسبب هيمنتها عليه، من خلال الميليشيات الطائفية ـ المذهبية التي تدعمها، وفرضت نفسها بمعيّة القوات الأميركية، وكان ذلك إيذانا بتفجّر النزاعات الطائفية في المشرق العربي، بقدر ما كان نجاحًا لإيران في تصدير الإسلام السياسي “الشيعي” تعبيرًا عن ازدياد نفوذها.

ما كان لـ “حزب الله” أن ينجو من هذه العدوى، على الرغم من تغطّيه بالمقاومة، فهو أعد أيضًا كي يكون ذراعًا لإيران في المنطقة، وجرى الحفاظ عليه حزبًا مغلقًا من الناحية الطائفية، لهذا الغرض، فهو لم يفتح عضويته على اللبنانيين، حتى الداعمين له، على الرغم من ممارسته المقاومة المسلحة منذ مطلع الثمانينيات.

في كل الأحوال؛ فقد بات هذا الحزب في أزمة، مع تغيّر الأوضاع في المشرق العربي باحتلال العراق، واستيلاء الإسلام السياسي “الشيعي” على السلطة فيه، وهيمنة إيران عليه، وفاقم هذا الوضع وقف المقاومة، منذ العام 2000، بحيث بات هذا الحزب ينفّس عن طاقته المختزنة في الداخل اللبناني، بوصفه حزبًا طائفيًا وسلطويًا، الأمر الذي كشفه أمام اللبنانيين.

هكذا جاءت الثورة السورية لتكشف حقيقة إيران وطموحها الإمبراطوري في المشرق العربي، وحقيقة “حزب الله” أداةً وظيفية في هذا المشروع، إذ بات الطرفان يدافعان عن نظام استبدادي، حكم البلد أزيد من أربعة عقود، وحولها إلى جمهورية وراثية، على الضد من إرادة أكثرية السوريين، حينًا باسم الدفاع عن المقاومة المتوقفة منذ أكثر من 16 عامًا، وحينًا باسم مواجهة المشروع الأميركي الذي باتت إيران في حال مساومة معه، وحينًا آخر باسم الدفاع عن “مقامات” السيدة زينب والست رقية، وغير ذلك.

وفي المحصلة؛ فقد باتت سورية ساحة للقتال بالنسبة إلى الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله من لبنان، وكتائب “أبو الفضل العباس”، “فاطميون”، و”زينبيون”، من العراق (فضلا عن ظاهرة الحوثيين من اليمن)، بحسب فتاوى “الولي الفقيه”، أو المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، ووفق تغطيات وخطابات الإسلام السياسي “الشيعي”، على مراوغته وسلطويته.

القصد من كل ذلك لفت الانتباه إلى أن نقد الإسلام السياسي “السنّي”، وهو ضروري ومشروع، لا يمكن أن يستقيم من دون نقد الاسلام السياسي “الشيعي”، بدلًا من التغطية عليه وتسويغه، وربما مدحه، وكأنه إسلام علماني وحداثي ويساري، وهو ما حصل في الأغلب طوال العقود السابقة.

ولنلاحظ، مثلًا أن إيران هي الدولة الوحيدة التي تعرف نفسها جمهوريةً إسلامية، ويحكمها المرشد الأعلى، وأن الإسلام السياسي “السني”، كما يتمثل بجماعات “الإخوان المسلمين”، غير مسلّح كحزب الله في لبنان والعراق، وكالحوثيين في اليمن، ولا يوجد له دولة مرجعية مثل إيران، وهي دولة خارجية، سواء كانت السعودية أو تركيا، ولا إمام أو شيخ مثل “الولي الفقيه. والإسلام السياسي “السنّي” لا يشتغل مؤسسةً مهيمنة في طائفتة المفترضة، على نحو الهيمنة المؤسسية لرجال الدين “الشيعة” في طائفتهم. وفوق هذا وذاك؛ فإن جمهور “السنة” لا يعرّف نفسه طائفةً، أصلًا، ربما لأنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لكونه أكثرية في مجتمعه. والأهم أن أي حزب، ولا حتى “الإخوان”، يستطيع احتكار تمثيل هذا الجمهور، المنفتح على كل التيارات القومية والليبرالية واليسارية والعلمانية والدينية، كما أكدت التجربة، وكما ثبت في مصر وتونس وسورية. وفي المقابل تحرص إيران على احتكار تمثيل “الشيعة” مباشرة، وفق بدعة “الولي الفقيه”، أو من خلال حلفائها، بوسائل القسر والإغراء والمصادرة والإخفاء، كما جرى في لبنان والعراق. وحتى في إيران جرى ذلك بالتخلص من آية الله طالقاني وآية الله منتظري وأبو الحسن بني صدر وفدائيي خلق ومجاهدي خلق، إلى مير حسن موسوي ومهدي كروبي وهاشمي رفسنجاني، وهو ما حصل مثله في لبنان والعراق.

مقالات ذات صلة

إغلاق