أدب وفنون

إسبانيا- لنركض من أجل سورية

في اليوم التالي للتظاهرة الحاشدة في مدينة برشلونة، التي ضمّت ما يزيد عن مئتي ألف متظاهر، ونُظّمت للضغط على حكومة إسبانيا؛ كي تستقدم عشرين ألف لاجئ سوري، كانت قد وعدت باستقبالهم، وتفتح الحدود أمام السوريين الهاربين من الموت والتعذيب والاعتقال، والعالقين على الحدود الأوروبية منذ أكثر من سنة وأربعة أشهر، وبتفاعل مدهش وحماس مؤثر، اندفع إلى ساحة “ثيبيلس” في مدريد، الأحد 19 شباط/ فبراير، أكثر من أربعة آلاف مواطن إسباني، للمشاركة في الفاعلية التي تحمل اسم “لنركض من أجل سورية”، وأطلقتها منظّمة  العفو الدولية “أمنستيا”، بالتعاون مع “جمعيّة دعم الشعب السوري في إسبانيا”، إذ تجمع المشاركون أمام تمثال “جوليا دومنا”، الإمبراطورة الرومانية من أصل سوري، والقادمة من مدينة حمص، في تمام الساعة التاسعة صباحًا، مضحين بيوم عطلتهم، متحملين درجات الحرارة الباردة في الصباح، وقادمين أفرادًا وعائلاتٍ مع أطفالهم، ليُوصلوا للعالم رسالتهم التي تقول: “أوقفوا هذه الحرب المجنونة”، وتعلن أن “كل إنسان في هذا العالم مسؤول عن الموت المجاني الممنهج الذي يأكل السوريين، وسيأكل العالم أيضًا”.

هو العام الثاني الذي تجري فيه الفاعلية نفسها، وبالتوقيت نفسه، فبعد نجاحها الملفت للنظر، العام الماضي، أعلن -هذا العام أيضًا- كل من ممثلي منظّمة العفو الدولية “أمنستيا” في إسبانيا، و”جمعّية دعم السوري في مدريد”، إضافة إلى منظّمات المجتمع المدني الثلاث: “أكثم”، “ثيار”، و”الصليب الأحمر الإسباني”، هذه الفاعلية في مواقع التواصل الاجتماعي، بدءَا من موقع “منظّمة العفو الدولية”، وصفحات العاملين فيها، وضمن برامج تلفزيونية، وإعلانات في الصحف اليومية. وقد تضمّن الإعلان وجوب أن يدفع كل مشارك في التظاهرة مبلغ 10 يورو؛ للحصول على بطاقة المشاركة التي تمكّنه من الدخول في ماراثون الركض الجماعي، مرتديًا “كنزة” خضراء صُمّمت خصّيصًا للفاعلية، وقد كُتبت عليها جملة: “لنركض من أجل سورية، لنقل كلمتنا للعالم الأعمى والأصم، نحن لا نريده عالمًا أخرس”.

بدأت الفاعلية بما يشبه المهرجان الخطابي، تحدّثت فيه -أولًا- مديرة أمنستيا في إسبانيا، السيدة “كارولينا دي بوليفيرا”، عن أن مأساة الشعب السوري تمثّل الوجه الحقيقي للحضارة العالمية الزائفة، وإنه لمن العار أن يصمت العالم أمام كل تلك المجازر التي يرتكبها النظام السوري، ويخترق بها حقوق الإنسان في كل لحظة. كما تحدّثت عن التقرير الأخير الذي قدّمته أمنستيا عن سجن صيدنايا، هذا المسلخ البشري، وعن مدى شدة وقسوة طرق القتل والتعذيب التي تُتّبع حتى هذه اللحظة، بحق مدنيين سوريين معتقلين ظلمًا، ومن بدون أي تحقيق قانوني. وأكّدت أن “كل معتقل في سجون النظام السوري هو مشروع شهيدٍ في أي لحظة، وأن هذا التقرير، وبعد حجم الرعب الذي ورد من شهادات كثيرة متقاطعة ومنفصلة، لسجناء كانوا في سجن صيدنايا، هو دليل قطعي على مدى بشاعة وفظاعة النظام السوري، وعلى مدى عجز العالم بعد ما يزيد على خمس سنوات، عن إنقاذ شعب لم يفعل شيئًا سوى أنه حلم بحياة تسودها الديمقراطية والعدالة، تشبه تلك التي نعيشها نحن في أوروبا. كل ذنب هذا الشعب أنه حلم بإنجاز الخطوات التي أنجزناها نحن، وقد كان شعبًا مؤهلًا لذلك، فهو شعب متعلّم يتّسم بالجديّة والانفتاح على الآخر، كما أنه شعب قادم من أعرق حضارات الأرض، وقد كان يشكل لفترة طويلة من تاريخ البشرية، أجمل أنموذج حقيقي مستمر للتعايش السلمي الرائع، بين أكثر من عشر طوائف وأديان مختلفة، لفترة تزيد على الألفي عام”.

وأضافت دي بوليفيرا أن “ما حصل لهذا الشعب هو عارٌ حقيقي على كل منظّمات الأمم المتحدة ومنظّمات حقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة نفسه. وإن صمت الأنظمة االسياسية والقوى المؤثرة الكبرى، إنما يدل على مدى انحدار العالم الأخلاقي، وعلى قدرة هذه القوى على استغلال شعوبها، وعلى الكذب الدائم عليهم، لتسويغ حروب وهميّة تعيد تسويغ بيع كل تلك الأسلحة. إننا الشعوبَ الأوربية عامة، والشعب الإسباني خاصة، قد عرفنا مدى عمق الحضارة العربية القادمة من دمشق، وتمثّلت بالجمال الرائع الذي تركوه في بلادنا، مثل قصر الحمراء، وغيره كثير. علينا وضمن ثقافتنا التي تعد ثقافة الوقوف مع العمق الإنساني في أي مكان من العالم، ورفض وتعرية اختراق حقوق الإنسان وقهره في كل مكان، علينا -دائمًا- أن نحاول إيصال أصواتنا بأي طريقة ممكنة. ونحن نشكر كل من شارك اليوم؛ لأن كل شخصٍ هنا اليوم دليل على مدى بقاء الإنسانية فينا، وفي ثقافتنا. ويجب ألا ننسى أبدًا، أننا بِصمتنا نقتل في كل دقيقة المئات هناك، وأننا -أيضًا- نزيد من معاناة السوريين العالقين على الحدود الأوروبية الذين يشكلون وشم خجل دائم على الجسد الأوروبي”.

وعند انتهائها من كلمتها، عادت وقرأت بعضًا من التقرير الأخير حول فضائع سجن صيدنايا، مع عرض لصور لا يحتملها عقل بشري، وصفتها بـسجون النازية الجديدة.

بعد ذلك شكر السيد “عامر حجازي”، رئيس جمعية دعم الشعب السوري في مدريد، ر الحاضرين جميعًا، وقد قال بصوت مؤثّر لم يخلُ من البكاء: “إنكم بمشاركتكم اليوم، قد تنقذون طفلًا من الموت جوعًا أو بردًا، في المخيمات التي يعيش فيها السوريون المدنيون منذ أكثر من خمس سنوات. وقد تنقذون طفلًا في الداخل السوري، في الأماكن المحاصرة، من الموت بسبب نقص الغذاء والدواء، وكل وسائل التدفئة. إن الوضع في سورية وضع كارثي بكل معنى الكلمة، ونحن، بالتعاون مع منظمات إسبانية داعمة لقضية الشعب السوري، ومع متطوعين كُثر منكم، نرسل كل شهر أربع شاحنات مملوءة بالحليب، وبعض الأغذية والبطّانيات والملابس الشتوية. كما أنها تحمل -أيضًا- بعض الأجهزة الطبية والأطراف الصناعية التي تقدمها بعض المستشفيات والعيادات مشكورة. لكن هذه الشاحنات التي تمتلئ بمساعدات إغاثيّة، تبرّع بها الشعب الإسباني، تحتاج مبلغًا كبيرًا من المال لإيصالها إلى الداخل السوري، عن طريق البر، إذ عليها أن تقطع أكثر من ست دول للوصول، لذا؛ فإن ريع هذا النشاط سيذهب لتكلفة إيصال هذه الشاحنات لمدة عام كامل، وأنا، باسم جمعية دعم الشعب السوري في مدريد، وباسم الشابين الناشطين فيها، علاء وخالد اللذين كانا قد اقترحا الفكرة منذ أكثر من عامين، وباسم كل سوري مقيم هنا، وكل سوري لم يزل في المخيمات، وفي الداخل السوري، أقدم لكم الكثير من الشكر والامتنان، وأقدر هذه الثقافة الرائعة التي تحملونها في قلوبكم وعقولكم، وأتمنى لبلادكم دائمًا الخير والحياة في جوٍ من الديمقراطية الحقيقية، الكفيلة وحدها ببناء المجتمعات. وأعلن معكم انطلاق السباق الثاني في مدريد، ولنركض معًا من أجل سورية”.

وهكذا انطلق الجميع بالركض معًا في المسافة الفاصلة بين ساحة “بلاثا دي سيبيلس” وساحة “سول”، مركز مدريد، ثم العودة إلى ساحة الانطلاق من جديد، وهو ما يستغرق نحو ساعتين كاملتين، إذ أخلت محافظة مدريد هذه المسافة من الطريق، ومنعت مرور السيارات في هذا الشارع الرئيس من العاصمة لمدة ثلاث ساعات، احترامًا للفاعلية المرخصة رسميًا.

انطلق سيل من الأخضر والأصفر، سيل من شباب وشيّاب، عائلات وأفراد، سيل مذهل مؤلف من أكثر من أربعة آلاف شخص. انطلق راكضًا، يهتف “لتعش سورية، ولنركض من أجلها”، ضمن جو بالغ الألفة والود والجمال، وضمن ثقافة متعمقة في الشعوب الأوروبية بعامّة، إنها ثقافة الركض الجماعي بوصفه نشاطًا رياضيًا، روحيًا، اجتماعيًا، وخيريًا. وقد ترافق الحدث بتغطية إعلامية كبيرة من الصحافة، ومن التلفزيون الإسباني، وبمشاركة كبيرة من السوريين المقيمين في مدريد، وعدد من السوريين اللاجئين الجدد أيضًا.

وبعد نحو ساعتين، كانت اللجنة المسؤولة عن الفاعلية قد أعدّت منصّة في مكان الانطلاق، وإذاعة تبث أغانٍ عن سورية، باللغتين العربية والإسبانية. وقد قرأت شابة تعمل في منظّمة “أمنستيا” بيانًا مشتركًا للمنظّمات الإسبانية المشاركة في الفاعلية، وهي “ثيار” و”أكثم” ومنظّمة “الصليب الأحمر الإسباني”، وهو بيان خاص بحقوق اللاجئين القادمين من بلد فقد أكثر من مليون شهيد، وثمانية ملايين نازح في الداخل، وخمسة ملايين لاجئ في الخارج. كلهم تركوا بلادهم، وحياتهم، وقطع بعضهم البحر، ليصلوا إلى مكان يؤمّن لعائلاتهم وأطفالهم حياةً آمنةً فحسب، وقد عانوا طوال رحلتهم من انتهاكات متتالية لحقوق الإنسان، في كل الدول التي مرّوا بها، ليشكلوا هجرة لم يعرف العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية. وقد أكدت الناطقة في هذا البيان أن استجابة المجتمع الدولي كانت، وكما سمّتها حرفيًا، “استجابةً مخزيةً”، وإنه لمن الأسف أن يفلت كل من انتهك حقوق إي إنسان سوري من العقاب، وعلى إسبانيا الوفاء بوعودها واستقبال عشرين ألف لاجئ سوري، كما قالت في اجتماع البرلمان الأوروبي، وهي لم تستقبل حتى الآن سوى نحو ألفي لاجئ سوري، وهذا بحد ذاته يسبب خجلًا كبيرًا لكل منظّمات حقوق الإنسان في إسبانيا، وفي كل العالم. لذا؛ فإنه على الاتحاد الأوروبي أن يؤمّن طرقًا آمنةً لوصول اللاجئين إلى أراضيه، وأن يحمي اللاجئين من استغلال مافيات التهريب لهم، ولحاجتهم. كما حمّل البيان الاتحاد الأوربي والعالم مسؤولية غرق كل لاجئ سوري في البحر، وعدّ أن ما يحصل هو “وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء”.

وقد حضر عدد من اللاجئين السوريين الذين كانوا يشجعون الراكضين واستقبال الواصلين. وقد جرى في نهاية السباق تكريم الفائزين بماراثون الركض، إذ كان الفائزون الثلاثة الذين قطعوا المسافة بأسرع وقت، هم: “ماريا سيزرا”، وهي شابّة تعدّ لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، و”اليخاندرو بيدرو”، شاب متطوع في أمنستيا وهو محامٍ، وأخيرًا “فرناندو لوبيز”، الذي يبلغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا، وقد ركض كل هذه المسافة، ووصل في المرتبة الثالثة. كما جرى توزيع هدايا رمزية على الفائزين الثلاثة، وهي عبارة عن منحوتات برونزية جميلة، تمثّل أشكالًا من القهر الذي يعيشه الإنسان السوري، قدّمها نحّات إسباني شاب، يدعى “خوسيه ماريا”، يعمل متطوعًا مع “أمنستيا”، وقد تبرع بأعماله الثلاثة التي استغرقت كثيرًا من الجهد والتعب والوقت، لدعم هذه الفاعلية. وقد قال بعد تسليم الجوائز: إنه يفخر بأن يقدّم أعماله دعمًا لشعب مظلوم، وأنه يتمنى من كل قلبه أن يقدّم في العام المقبل أعمالًا تمثّل انتصار هذا الشعب.

يُذكر أنّ هذه الفاعلية جاءت ضمن مجموعة فاعليات الحملة التي أُطلقت قبل شهر، وحملت عنوان “من مدريد إلى سورية”، وجرى من خلالها تكريم ممثلين عن منظّمة القبّعات البيض السورية، في البيت العربي في مدريد، وجرى -أيضًا- تقديم أربع شاحنات محمّلة بأحدث التجهيزات الطبية الإسعافية، هديّة من محافظة مدريد، انطلقت مع ثلاث شاحنات أخريات باتجاه الداخل السوري.

مقالات ذات صلة

إغلاق