مقالات الرأي

إشكالية المصطلح وعقلية السوق والاستلاب

في سياق التطور الإنساني، الذي بذل جهدًا -في كل المستويات- لإنهاء عصر العبودية والصراعات الاثنية، والدخول في عصر الدولة، إذ كانت الدولة أهم منجزات العقل الإنساني الذي أنهى عصر الملوك والقياصرة، وحكم الفرد؛ لينجز سلطة محايدة فوق المجتمعات، تضبط تناقضات المجتمع، وتمتلك حق التدخل المتفق عليه؛ لحل هذه التناقضات لصالح أو باتفاق وتوافق اجتماعي، حدد تشريعات وسن قوانين، حقوق تلجم هذه التناقضات لصالح التعايش والتفاهم الذي تطور وبنى مؤسسات ونقابات، تشرع تدخل البني الاجتماعية لتحقق أهدافهم وأحلامهم.

بهذا المعنى كانت الدولة وتطورها أهم منجزات عصر النهضة، إلا أن هذا المنجز أوقع في إرباك ضمن تطور مفهومات الصراع والسلطة وتراكم الثروة، إذ بزغ ماركس ليفند مفهوم سلطة رأس المال وهاجسه العدالة وتوزيع الثروة، وهكذا انقسم مفهوم الدولة بين دولة رأس المال تطورت ونمت وأنتجت الديمقراطية والمواطنة، وهذا سياق يجب فتحه ووعي طرق إنتاج الدولة الحديثة.

ظهر مفهوم الدولة الاشتراكية الذي أنتج وحدانية الحزب وتسلط قيادته، ومركزة أمينه العام، مُحصّنًا بمؤسسات قمعية تؤبد التسلط والاستبداد، إذ شوه وسخّف مفهوم الاشتراكية، وهنا جوهر ما نريده، فكفكة المفهوم والمصطلح في سياق التطور وإنتاج المعرفة.

بتشكل هذان المفهومان اللذان قسّما العالم، وأصبح ثلاثة عوالم، عالم أول وثان وثالث، ساد قرن لنصف العالم بتوهم ومصطلحات ومفهومات إرادوية، أنتجت -ببساطة- كل ما يدمر الشخصية الإنسانية، ويدمر حريتها وكرامتها، ولا يعني هذا سقوط مفهوم العدالة والاشتراكية وتوزيع الثروة، بقدر ما افتقر إلى مناخ الحرية وفتح باب الاجتهاد العقلي؛ ليواكب إنتاج الفكرة، بمعنى: خلق تغيير حقيقي بالبنى الاجتماعية على مستوى الثقافة واللغة والعلاقات التي كانت أشد فتكًا بالمنطقة العربية، ومنها سورية.

كلنا مُدرك أن لينين الذي تحمل عبء إنتاج الدولة الاشتراكية، إذ خاض صراعًا نظريًا مبهرًا مع مجمل العقل الروسي والأوروبي، وأنتج مفهوم الحزب اللينيني الذي صبت روزا لكسمبورغ الأوروبية الألمانية، هي وصديقها كارل جام غضبها -نظريًا- على مفهوم نظرية الحزب، وعدته حزبًا بوليسيًا، فالخلاف كان أن لينين لديه هاجس الثورة، دون مراعاة تطور البنى الاجتماعية الاقتصادية السياسية لروسيا، حيث البلد الإقطاعي القيصري يُراد له -ضمن المفهوم اللينيني- بناء دولة اشتراكية، وهنا الوردة فارقص هنا، الدولة التي أنتجت ستالين محطم الإنسان والكرامة، وباني الدولة الشمولية، وكان مقدمتها القضاء على رفاقه أولًا، كما فعل تلميذه النجيب الطاغية حافظ الأسد.

لهذا؛ فإن مجتمعاتنا التي فتحت عيونها على الدولة، كانت غارقة في ثقافة أكثر ما يقال عنها أنها سكون التاريخ، وانتظار السماء لحل إشكالات ظلمهم وغبنهم، ولعب المثقفون دور التشويه باستيراد الأفكار والمصطلحات من الخارج، غربًا وشرقًا، بطريقة المستهلك، دون تمحيص وتدقيق وجهد لإنتاج أو تعقيل المصطلح، أسهمت في ذلك مجموعة عوامل:

1 – الاستعمار؛ فما أنتجه وسمّي بالثورة العربية، سايكس بيكو، وقسم المنطقة بين نفوذين: فرنسي إنكليزي، امبراطوري العالم في ذاك الوقت.

2 – غياب الدولة وإنتاج السلطة، فثمة فرق كبير بين السلطة والدولة، وهذا مرده توغل المؤسسة العسكرية في الأحزاب وبنى المجتمع؛ إذ طبعت كل الأحداث في المنطقة بطابع الانقلاب وليس الثورات، وكان الشعب دائمًا خارج الحدث.

3 – تصميم الغرب وتخطيطه؛ على أن تبقى هذه المنطقة سوقًا وممرًا باتجاه أسواقه ومصالحه، ولعب النفط دورًا محفزًا؛ كي يأخذ حيزًا خاصًا بتخطيط وتفكير الدوائر الغربية التي أنتجت لنا هذه الثكنة الصهيونية بدور ووظيفة، وهي تصدير الثورة المضادة وحماية الاستبداد والفساد في المنطقة.

لهذا؛ أهم ما تميزت به الشعوب في هذه المنطقة سيادة عقل الهزيمة، ولأننا نعي أن هذه الأنظمة هي المسؤول الأول عن هزيمة المنطقة وتطويعها واستباحتها، إلا أنه لا يمكن القفز عن هزيمة عقلها والثقافة التي سادت.

أهم ما تميزت به هذه المرحلة، ومازال، هو استيراد المفهومات والمصطلحات، وارتدائها دون تمحيص وتدقيق صلاحيتها وإمكانية تنميتها بما يوائم ويتناسب مع واقعنا، فمن اشتراكي -بالمفهوم الستاليني البكداشي الأسدي- إلى ديمقراطي ليبرالي، متروكة جميع الأسئلة الملحة الضرورية خارج سياق البحث والتمحيص، ودراسة واقع الإنسان وأحواله وثقافته ولغته الحاضنة التي لم تُمزق وتُشرح.

مقالات ذات صلة

إغلاق