تحقيقات وتقارير سياسية

الخليج بين إيران وتركيا: ماذا عن الشعوب؟

يسارع الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى زيارة عُمان والكويت، في محاولة لتهدئة ما يمكن أن يكون، من وجهة نظر بلاده، بداية ضغط خليجي جديد على إيران، ويعلن أنه يسعى لحل “سوء التفاهم” مع دول الخليج، في ما استقبلت السعودية وقطر والبحرين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي صرح -للمرة الأولى- بضرورة التصدي لـ “القومية الفارسية” في العراق وسورية، بحسب موقع “ترك برس”.

تقول إيران بن النبرة الخليجية تجاهها ارتفعت ارتفاعًا لافتًا، بُعيد التصريحات المتتابعة التي أطلقها مسؤولون في الإدارة الأمريكية الجديدة ضدها، واتهامها برعاية الإرهاب والتلويح بعقوبات جديدة، وتؤكد أن الموقف الخليجي يستند في قوته إلى الدعم الأميركي، بينما تعتمد هي على إمكاناتها الذاتية، في حين يدحض المسؤولون الخليجيون تلك الرؤية، ويقولون بأن تدخلات إيران في كل من سورية واليمن، ودول عربية أخرى، جعلت منها دولة تنفذ مشروعًا توسعيًا في المحيط العربي، وقد عملت الدول الخليجية بإمكاناتها الذاتية، ودون أي دعم أميركي على التصدي لهذا المشروع، خصوصًا في اليمن من خلال عاصفة الحزم.

مخاوف إيران من تصعيد الضغوط عليها خليجيًا مسوغة؛ فهي تدرك أن دعمها للحوثيين وللنظام السوري، وتدخلها في البلاد العربية، لن يستمر طويلًا دون رد فعل قوي، لكنها ترى -أيضًا- أن الدول الخليجية بدأت تأخذ بزمام المبادرة في الدفاع عن نفسها، ودوليًا تظهر الساحة مهيأة لمثل هذه الضغوط، فعلاوة على الموقف الأميركي، بدأت تستشعر أن مصالحها مع روسيا، خصوصًا في سورية، لا تتطابق مع ما تعمل عليه من خلال رغبتها في الحل العسكري، وإقليميًا، وعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية المتطورة مع تركيا، إلا أن أنقرة بدأت تُظهر لطهران أنها تضع مصالحها مع دول الخليج في مكان لا يمكن المساس به.

وما يعزز المخاوف الإيرانية أن التصريحات القوية التي أطلقها وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أخيرًا، في كلمته أمام مؤتمر الأمن في ميونخ، حول أن “إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم”، وأن التحدي في منطقة الشرق الأوسط مصدره إيران، وأن جزءًا من تشريعها هو تصدير الثورة، وهي لا تؤمن بمفهوم المواطنة، وتريد من الشيعة في جميع أنحاء العالم أن يكونوا تابعين لها، وليس لدولهم”.

هذا الموقف السعودي قابله وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بمغازلة الولايات المتحدة من خلال الإشارة إلى موضوع الإرهاب، وانتقد “الفكر التكفيري”، وهو تعبير تستخدمه عادة إيران للإشارة إلى الجماعات الإسلامية السنية المسلحة، التي تقول إن السعودية تقف خلفها؛ ما حدا بالوزير الجبير إلى الرد بأن إيران هي  “الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم يهاجمها تنظيم داعش أو القاعدة”، وهما تنظيمان مصنفان إرهابيين؛ ما يثير علامات استفهام، مؤكدًا أن إيران جزء من المشكلة، وعليها أن تتوقف عن إرسال الأسلحة ومستشارين إلى الحوثيين في اليمن، والتوقف عن  لعب دور مدمر في سورية.

التصعيد الخليجي، والسعودي خصوصًا، والرد الإيراني المضاد ليس جديدًا على كل حال، فقد اتسمت العلاقات بين الجانبين منذ “ثورة الخميني” بمد وجزر، وكانت تنتهي حدتها بالتوافق براغماتيًا على نوع من التعايش على مضض، وهذه المرة أيضًا، وعلى الرغم من دخول العامل التركي بقوة على خط هذا التصعيد، من المرجح أن تكون كسابقاتها، فهدف الخليج هو وقف تدخل إيران ضد أنظمتها، وتصب في هذا الاتجاه تصريحات الرئيس أردوغان من البحرين، الأقرب إلى إيران، وشهدت تدخلًا إيرانيًا سافرًا وكبيرًا فيها، بدعمها المعارضة لإسقاط نظام الحكم، وقال فيها أردوغان: “إن منطقتنا الجغرافية تمثل قدرًا مشتركًا. وفيها ماضينا ومستقبلنا المشترك”.

من المهم -بطبيعة الحال- النظر إلى الموقف التركي الداعم للخليج والعرب، لكنه يبقى في إطار المحافظة على توازن القوى إقليميًا، في إدارة الأزمات والحيلولة دون وصولها إلى الانفجار، وهو ما دفع الرئيس التركي لأن يطلق في كلمته عبارات تحذيرية، يرفض من خلالها ما يسميه بتوجهات بعضهم تقسيم سورية والعراق، ويؤكد ضرورة التصدي للقومية الفارسية في العراق وسورية. وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الظلم الحاصل هناك.

الاتفاق النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وعلاقاتها الاقتصادية النامية مع دول غربية متعددة، ووجودها العسكري في العراق وسورية واليمن، واستقطاب قاعدة “شعبية” مؤيدة لها في هذه الدول، جميع الأسباب السابقة تجعل التوازن يميل لمصلحتها، وليس إلى جانب الدول الخليجية. والمواقف المتجددة لتركيا والداعمة لها من شأنها التأثير في إعادة التوازن الذي يجعل التهدئة الحذرة، كما كانت في السابق، هي الأكثر ترجيحًا.

لا ينظر الأميركيون بارتياح إلى الدور التركي، فالتصعيد هو مصلحة استراتيجية لهم، وهو نتيجة لما تقوم به من ابتزاز الجانبين وتأليب بعضهم ضد بعض، وإنهاكهم، لكن في مرحلة قريبة، قد يعلنون أنهم استساغوا جميع تلك المواقف والمشادات “الخليجية والإيرانية”، ويعلنون  أيضًا رضاهم عما حققوه من رغباتهم في إدارة الأزمات عن بعد، ودون التدخل المباشر، ومن ثمّ؛ الاستثمار فيها، فالرئيس ترمب، كما قال الجبير، “رجل براغماتي، ويريد تسوية الأزمات وقيادة العالم، ويسعى إلى سد أي فجوة يمكن أن تستغلها الجماعات الإرهابية”، ومن ثم؛ فإن الاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب، تظل العنوان الرئيس الذي يعمل عليه الأميركيون منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، ذريعةً لتخويف الشعوب، والهيمنة -من ثم-على مقدراتها، دون أن يكونوا معنيين بمتطلباتها.

مصالح الأنظمة، خاصة الخليجية، يجب ألا ترتبط بما يهددها من خلال الحرب الباردة مع إيران، بقدر ما ترتبط بالاستجابة لحقوق الشعوب، ودعم طموحاتها في الحرية والحياة الكريمة، والاستثمار في الثورات العربية التي تشكل نواة مشروع عربي تحرري. هذه الشعوب التي تعد الضحية الأولى للإرهاب الذي يُتذرَّع به من أجل تحقيق مصالح اقتصادية، إقليميًا ودوليًا، فالشعوب هي المشروع الذي يواجه المشروعات الإقليمية، سواء فارسية أو غيرها، وهي صاحبة الحق في حماية البلاد، فيما الدعم الخارجي يبقى في الخارج، ومهما بلغ من قوة، فإنه يستمدها -بالنتيجة- من الطاقات والإمكانات العربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق