مقالات الرأي

من آستانا إلى جنيف: تطورات المسألة السورية

كثيرة هي التطورات التي أعقبت سقوط حلب بتلك الطريقة، وأهمها حصول توافق تركي – روسي على مجموعة من المسائل، من بينها الوضع السوري، ودخول إيران طرفًا ثالثًا.

الخطوة الأولى تمثلت في وقف  إطلاق النار، والتوقيع عليه من الفصائل العسكرية المحسوبة على المعارضة، ثم النظام، وعلى الرغم مما شاب الاتفاق من غموض ونقاط ضعف، ووجود وثيقتين، وليست واحدة، تلك التي وقّعت عليها الفصائل العسكرية، والأخرى التي وقّعها النظام، وما بينهما من فروق أباحت للنظام وحلفائه والمليشيات الوافدة بتفسيره وفق مصلحتهم، وتجسّدت بخروقات يومية متعددة الأماكن، وبقصف لم يتوقف، واستعادة بعض المناطق التي كانت تابعة للمعارضة، مثلما حصل في وادي بردى، وعمليات التهجير، والمصالحات التي يفرضها النظام.

إلا أن وقف إطلاق النار واستمراره مطلب عام، يلقى قبول المعارضة ومعظم الشعب السوري، يخفف من وقع المقتلة اليومية، ويخلق بيئة أفضل للحل السياسي، وهو ما أرادت روسيا الذهاب به بعيدًا، إلى مدى الدخول بالعملية السياسية في خط مواز، بداية، ومخالف للشرعية الدولية وجنيف، مستفيدة من فراغ أميركي بين عهدي الرئاسة: القديمة والجديدة، ومستغلة نتائج ما حصل في حلب لتطويع وضع المعارضة، أو خلق شروخ عميقة فيها، عبر استبدال الفصائل العسكرية بالهيئات السياسية، ومدلولات ذلك، وآثاره على المفاوضات ومضموناتها.

لم ينجح المسعى الروسي في انفراده، فعاد إلى الالتزام بالشرعية الدولية، وإن لمّا يزل مستمرًا في نهجه بمحاولات إضعاف المعارضة السياسية، وخلق المتاعب لها، بطرح إضافات من منصات أخرى على الوفد المفاوض، وضمنًا: لإنقاص شرعية الهيئة العليا للمفاوضات، أو بتشجيع حضور الفصائل بثقل كبير، لا يقل عن النصف، ومحاولات النفخ ببعضهم للاستقلال بالمرجعية، أو ازدواجيتها، وهو الذي لم يحصل على الرغم من وجود نصف الوفد المفاوض من الفصائل، حين رفضت أن تكون لها مرجعية خاصة، وأعلنت التزامها بالهيئة العليا مرجعية وحيدة، وما يطرحه هذا الإصرار من خلفيات ترتبط بالتصورات الروسية عن الحل السياسي الذي تريد فرضه، إن تمكّنت.

وقف إطلاق النار، والعودة إلى الشرعية الدولية، عبر استئناف مسار جنيف في محطته الرابعة، يطرح اليوم أسئلة عن الاحتمالات المقبلة، وعن نضج الشروط للتوصل إلى حل شامل، ومن ثمّ؛ مبلغ الآمال المعلقة على دورة جنيف المقبلة.

بين آستانا واحد وجنيف، دعت روسيا والأطراف الأخرى الضامنة لوقف إطلاق النار إلى آستانا 2، وبدا أن الهدف يتجاوز عملية وقف إطلاق النار، وإيجاد آليات ضابطة لها، والخروقات اليومية التي تحدث، والتعامل مع المسؤول عن الخرق، إلى الولوج في تمهيدات للحل السياسي، أو ما يمكن عدّه تكييف الأوضاع بين النظام والفصائل العسكرية المعارضة، وتعميق الشرخ بينها وبين الهيئات السياسية القائمة، وما يمكن تسميته بعمليات تطبيع ذات صلة ببعض السيناريوهات المطروحة، كتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو مجلس عسكري مشترك بين النظام والفصائل العسكرية، يتولى -لاحقًا- ضبط الأمور العسكرية والأمنية، ويمكن أن تتسع صلاحياته إلى الجوانب السياسية.

أمام رفض الفصائل العسكرية الدخول في أي خطوة سياسية، أو اللقاء المباشر مع وفد النظام، والإصرار على الجانب القتالي فحسب، ومحاولات إلزام روسيا بمنع النظام والمليشيات الوافدة من تواصل القصف والخروقات اليومية.. اقتصر لقاء آستانا 2 على هذا الجانب، لكنه لم يصل إلى اتفاق ملزم للنظام بوقف عمليات القصف والقضم، إذ رفضت روسيا الالتزام الخطي، واكتفت بموقف شفهي، وبأنها ستضغط على النظام للتقيّد بوقف إطلاق النار، وفق بنود جرى التوافق عليها.

أما الجولة الرابعة المقبلة من لقاءات جنيف، فإن جميع المعطيات والمؤشرات تفيد بأن الشروط غير ناضجة للشروع بحل سياسي حقيقي، فضلًا عن الغموض المبرمج في حيثياته، وجدول أعماله.

في الأسباب الواضحة تتراكب ثلاثة منها:

1 – وضع الإدارة الأميركية الذي لم يبلور -بعد- رؤى ومواقف محددة بشأن المسألة السورية، وفي ما عدا التصريحات العامة من الرئيس ترامب، حول مناطق آمنة، ثلاث، لا يوجد مشروع أميركي مُفصّل للإدارة الأميركية الجديدة، ما يعني أن الطرف الرئيس في التوافق الدولي غير جاهز إلى الآن، وربما استلزم الأمر وقتًا آخر، تفصح فيه هذه الإدارة عن توجهاتها وقراراتها.

2 – حقيقة مواقف النظام، وحليفه إيران، الرافضين، ضمنًا وشبه علانية، للحل السياسي الشامل، واستبداله بصيغ وعناوين أخرى كـ: محاربة الإرهاب أولوية أولى، وطرح صيغ من التشارك التي تبقي النظام ورأسه، والعمل على الدخول في تفاصيل تمييعية لتمرير الأمر، وقتل المضمون، بينما ما يزال الرهان الفعلي لدى الطرفين يرتكز على الحل العسكري، وإخضاع من يقبل من المعارضة على المشاركة بحكومة ما، أو بصيغة مفرّغة من مضمون الانتقال إلى نظام آخر ينهي النظام الحالي، ويؤسس لنظام ديمقراطي.

3 – لعل أهم الأمور التي تواجه محطة جنيف المقبلة، وتحول دون الوصول إلى نتائج مهمة، تلك المتعلقة بالانزياحات الواضحة عن بيان جنيف 1، والخاصة بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، وتتماتها في مهمات هذه الهيئة، وبما يعني نهاية النظام والشروع في بناء البديل.

منذ أشهر، ولأسباب متداخلة، حدث تراجع واضح عن بيان جنيف 1، واستبدال الهيئة الحاكمة الانتقالية بصوغ عام يكتنفه غموض مقصود.. تارة باستخدام مصطلح حكومة وحدة وطنية، أو هيئة حاكمة، أو شكل تشاركي، في حين أن ديمستورا حدد جدول أعمال جنيف 4 بنقطتين رئيستين: بحث وضع دستور، والتحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية مقبلة، مع إشارات حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، في حين أُغفل تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية ومهماتها، ومصير النظام: رأسًا وكبار رموز، وبما يُفهم منه أن النظام ورأسه باقيان حتى المرحلة الانتقالية، وربما السماح له بالدخول في الانتخابات الرئاسية المقبلة” شأنه شأن بقية المترشحين”، وهو تمامًا ما يتفق والموقفين: الروسي، والإيراني.

أمام هذه المتغيرات سيكون السؤال ثقيلًا، وشائكًا حول موقف المعارضة، وكيف ستتعامل معها، وهل ستقبل ببقاء رأس النظام، بل بالنظام طوال المرحلة الانتقالية؟ حتى وإن خفّضت، أو نقصت بعض صلاحيات الرئيس، وأنيطت بالهيئة المراد تشكيلها؟

في حالتي الرفض والقبول، ما الانعكاسات المباشرة على المعارضة أولًا، وعلى الثورة والآمال والأهداف ثانيًا؟ في حين يبقى السؤال قائمًا: ما الذي يمكن، ويجب عمله، من القوى المعارضة أمام التوقعات والاحتمالات؟ وهل بمقدورها الرفض الفعلي؟، أم إنها ستكون مُجبرة على القبول بما يُتفق عليه بين الدول الكبرى والإقليمية؟

مقالات ذات صلة

إغلاق