كلمة جيرون

ميزان القوى الذي لا يختل

مُستبقين مؤتمر جنيف الذي سيكون -في الغالب- خلّبيًا كسابقه، وسابقه، يُروّج مؤيدو النظام وأنصاف الموالين، وأشباه المعارضين، أن المؤتمر سيكون مختلفًا؛ لأن ميزان القوى بين الأطراف السورية قد اختلف واختلّ كثيرًا، بعد خسارات متتالية تكبدتها فصائل المعارضة المسلحة في أكثر من مكان، وخسارتها أرضًا لصالح القوات الروسية والميليشيات الإيرانية وعصابات النظام المنفلتة.

يقول هؤلاء بأن خسارة فصائل المعارضة المسلحة مدنًا وبلداتٍ وقرى، متناثرة في الأرض السورية، يجعل النظام في موقف القوي، ويؤهله لأن يكون البطل الذي يفرض شروطه على السوريين الرافضين له ولحكمه، فالأرض -في رأيهم- باتت بيده وأيدي حلفائه، ومن يملك الأرض يملك القوة، ومن يملك القوة يفرض شروطه.

هذا المنطق أعوج كأصحابه، فميزان القوى في الثورة السورية لم ولن يختل، فمنذ ست سنوات مال ميزان القوى نحو الشعب، ومازال، فثورته بالأساس ليست حربًا كما شاء لها النظام أن تكون، وليست فصائل مسلحة توالدت كالفطر؛ نتيجة عنف النظام والفوضى، وليست مساحات جغرافية يُسيطر عليها هذا أو ذاك، بدعم من هذا وذاك، إضافة إلى أنها لم تكن يومًا قضية من يملك أكبر كمية من السلاح أو المرتزقة أو القتلة المأجورين، مثلما يعتقد النظام ويفعل.

قد تكون هذه المعادلة صالحة لحرب بين بلدين، لحيوان كاسر يريد نشر رائحته في منطقته، لكنها لا تصلح لثورة، ولا تصلح لشعب خرج بالملايين قبل ست سنوات خروجًا سلميًا؛ ليسترد كرامة مسلوبة، ولا تصلح لشعب أعلن أنه لن يقبل بالديكتاتورية والدولة الأمنية وحكم الفرد والأسرة.

ميزان القوى في الثورة السورية لا يختلّ، ولن يختلّ، على الرغم من كل الموت والدمار والتشرد والفقر والمجازر والطائفية التي عمّمها النظام، فحق الشعب واضح، بل يملأ كفّتي الميزان، وقوة الشعب وإرادته لا تنكسر، وهي أقوى ألف ألف مرة من النظام وحلفائه ومجرميه وأفّاقيه، وستبقى الثورة وقّادة في النفوس، ولن يهدأ شعب مادام هناك حق له يسعى إليه.

ولمن نسي، نذكّر بأن ثورة السوريين بدأت وانفجرت في مناطق كان يسيطر عليها النظام بقوة، ثم انتعشت وتضخمت في مناطق لا يوجد فيها سوى قبضة النظام الأمنية الشرسة، وإن انتهت العسكرة، ستعود الثورة إلى جميع المدن السورية من جديد، كطائر العنقاء، يموت ويولد مكان موته طائر جديد بمواصفاته نفسها.

اذهبوا إلى جنيف، وافعلوا ما تريدون، لكن لن يسمح السوريون للمعارضين بالتنازل، تمامًا كما لن يسمحوا للنظام بفرض شروطه، فمطالبهم أسمى من كل من يجلس هناك، وستتحقق؛ أبى من أبى.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق