اقتصاد

أهوال البلد.. من فوضى السياسة إلى فوضى النفط

ينسحب التخبط الذي يعاني منه النظام السوري في إدارة أزمته السياسية المتفاقمة، على الاقتصاد أيضًا، فمثلما استبدل “الأسد الحرب بالحوار، في مواجهة شعبه. استعاض -تباعًا- عن دور الدولة التقليدي بدور فريق مقرب، يمثل -على الأغلب- برجوازية طفيلية تربطها علاقة وجودية مع سلطة تتحرك وفق اتجاهات مرسومة، لا علاقة للشعب بحصادها.

في فوضى الاقتصاد تغوّل الشق الأول من اقتصاد السوق “الاجتماعي” على يد هذا الفريق، وخلال مدة قصيرة نسبيًا، تراجع حجم الطبقة الوسطى- تمثل أكثر من 60 بالمئة من تعداد السكان [قبل 2011]- لصالح الطبقة الفقيرة، وازدادت الأخيرة فقرًا، متأثرة بغياب الحمائية، وغياب الجانب الاجتماعي منه، بعدما انتظرت مفاعيله، وهي تحلم بحياة آمنة كريمة، وثروة قومية يجري توزيع مردودها على نحو عادل.

في رد فعل على الثورة، تحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب، مستثمرًا أموال الدولة، وقودًا في معركة المحافظة على النظام، وإبقاء “الأسد الوريث” جالسًا على كرسي الحكم. وكان ذراعه الضاربة شركاء يستثمرون موارد البلد، بعائداتها، ومعظم أصولها المالية.

في منتصف نيسان/ ابريل 2013، كشفت وثائق “ويكيليكس” المسربة عن سورية، أسماء أربعة من هؤلاء الشركاء ـ رامي مخلوف، حافظ مخلوف، زهير سحلول، نبيل الكزبري، يديرون أموال الأسد، ينمّونها، ويتربحون من ورائها. وفي أوائل نيسان/ إبريل 2016، أي بعد ثلاث سنوات، أضافت وثائق بنما- وثائق سرية جرى تسريبها من شركة “موساك فونسيكا“، يصل عددها إلى 11.5 مليون وثيقة، قدمت خدمات تتعلق بالحسابات الخارجية لرؤساء دول وشخصيات أخرى- إلى جانب رامي مخلوف وشقيقه، رجال أعمال سوريين آخرين، ارتبطت أسماؤهم بصفقات نفط مشتركة لحساب نظام الأسد. منهم: وائل عبد الكريم، وأحمد برقاوي. أُبرمت في وقت كانت الحكومة تتعرض فيه لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، تضمنت حظر استيراد وتوريد المشتقات النفطية من وإلى سورية، فضلًا عن عقوبات استهدفت مصارف حكومية وشركات، ومسؤولين يمثلون قمة هرم السلطة.

من المثير، أن يتحول قطاع النفط في ظل تخبط اقتصاد نظام الأسد، إلى رواية تراجيدية متعددة الأدوار، تتقاسم بطولتها على مسرح الحرب الدائرة منذ ست سنوات، ثلاثة أطراف متصارعة تسعى -بالتناوب- لاغتنام الكعكة “نظام الأسد، داعش، وحدات حماية الشعب YPG“.

غير أن الأمر الأكثر إثارة في هذا السياق، ظهور تفاهمات أجراها النظام مع خصومه المفترضين، أفضت إلى سيلان النفط عبر أنابيبه، ليس من أجل تدفئة شعبه، بل لإبقاء دوران آلته العسكرية الجهنمية على جبهات القتال.

مطلع عام 2013، وفي إثر العقوبات، انسحبت 13 شركة نفط – عربية وأجنبية- وأغلقت آبارها في خمسة أحواض نفطية، اثنان منها في الحسكة، وآخر في دير الزور، وحوضان يقعان ما بين الرقة وتدمر.

ومنذ ذلك الحين، بدأ إنتاج النفط السوري يتراجع، فهبط معدله من 320 ألف برميل يوميًا في عام 2011، إلى 202 ألف برميل يوميًا، وفي نيسان/ ابريل عام 2013 تراجع إلى 70 ألف برميل يوميًا. وبقي الرقم يتدهور، مع خروج القسم الأكبر من الآبار عن سيطرة النظام، إلى أن استقر عند 3000 برميل يوميًا.

تقدر وزارة النفط في حكومة الأسد إجمالي خسائر الشركات الأجنبية بنحو 6.4 مليار دولار، منها 2.8 مليار لقطاع النفط وحده. فيما قدرت الإيرادات الفائتة؛ نتيجة توقف العمليات الإنتاجية، لكامل القطاع النفطي بنحو 16.6 مليار دولار، منها ما نسبته 33 بالمئة -تقريبًا- قيمة إيرادات فائتة للشركات العاملة، ما يعادل 5.5 مليارات دولار. بينما يبلغ إجمالي خسائر القطاع خلال الأعوام الستة الماضية نحو 65 مليار دولار.

وبالمثل، خسر القطاع الصناعي معظم انتاجه، فقد كانت شركة محروقات- شركة حكومية- توفر له 30 بالمئة من حاجته، انخفضت لاحقًا إلى 10 بالمئة، مع أن حاجته الفعلية -بحسب غرفة صناعة دمشق- تبلغ نحو 15 مليون ليتر شهريًا. وبقيت آلاته تعمل لفترة قصيرة يوميًا. وهي فترة غير كافية، بحسب المصدر ذاته.

يرى الخبير الاقتصادي فراس السيد، أن مالية النظام تحتاج فعلياً إلى 2.4 مليار دولار لتأمين حاجات القطاع سنويًا، ومن الصعوبة توفر قيمة كهذه في ظل حاجات آلة النظام العسكرية. وأضاف لـ (جيرون): وفق تصريحات حكومية، جرى توفير جزء منها، عبر الخط الائتماني الإيراني. إضافة إلى ذلك، سمحت الحكومة للقطاع الخاص، باستيراد النفط (فيول ومازوت) عبر المنافذ البحرية حصرًا، لصالح المنشآت الصناعية، ما أوجد احتكاره فيما بعد سوقًا سوداء، تجاوز فيها سعر الليتر الواحد من المازوت الـ 200 ليرة، ملأت جيوب عدد قليل من التجار.

قبل عدة أشهر، نضبت إمدادات النفط، في أعقاب توقف إيران عن توريد المشتقات النفطية إلى سورية. وفي إجراء خطِر، أوقف نظام الأسد توزيع المازوت على المواطنين، وحرمهم – على الرغم من شح الكمية التي كان يوزعها- من التدفئة، ليواجهوا صقيع الشتاء بلا مواقد.

ومقابل ذلك، وافقت الحكومة أخيرًا، على مقترح جديد قدمته غرفة صناعة دمشق، سمحت بموجبه للصناعيين استيراد المشتقات النفطية اللازمة استيرادًا مباشرًا، عبر المنافذ البرية، لسد حاجة منشآتهم، واستمرار عملها.

ومع أن القرار -بحد ذاته- يعكس تخلي الدولة، في ظل الفوضى التي تعيشها، عن دورها، عندما حمّلت الصناعيين مهمة تأمين المحروقات لمعاملهم ومنشآتهم. إلا أنه فتح الباب لتساؤلات كثيرة، تتعلق بما سَتؤول الأوضاع إليه، حين يقوم التجار بجمع الدولار من السوق المحلية لسداد فاتورة الاستيراد، وما سيترتب على الأمر من مضاعفات قد تتخطى منافذ السوق السوداء، إلى حياة المواطن، وسبل عيشه، التي تواجه ضغوطًا مضاعفة.

من وجهة نظر سياسية، قد تبدو مفاعيل القرار، أكثر إثارة للقلق، فتزامن الإجراء مع توقف إيران عن إمداد البلاد بالنفط، بحسب الخبير الاقتصادي د. عماد الدين المصبح، هو أشبه بلعبة، ظاهرها اقتصادي، وباطنها، ربط الصناعيين، الواحد تلو الآخر، بحليف النظام، إيران. وأضاف لـ (جيرون): الصناعيون يريدون -بلا شك- توفر مادة المازوت، وحكومة النظام عاجزة عن تلبية طلبهم، وإيران لن تزود النظام بالنفط، مالم تصرف فاتورته فورًا. وفي أجندة مدروسة، تسعى طهران لاحتضان الصناعيين بحركة التفافية، تربطهم عبر الاستيراد المباشر منها، بمشروع لن تتوقف حدوده عند تملّكها العقارات في دمشق وضواحيها. بل من الممكن أن يتوسع ليشمل البنية التحتية لاقتصاد عماده القطاع الصناعي.

في المدى القريب، لا يبدو نظام الأسد على عجلة من أمره، فصراع الأطراف المسيطرة على آبار النفط، ما يزال محتدمًا. وإذا كان من مفارقة لاذعة، فهي أن يتأمل المرء بهدوء فكرة عجز خزينة الدولة عن توفير 2.4 مليار دولار قيمة حاجات القطاع، في الوقت الذي استطاع فيه رامي مخلوف، شريك الأسد، أن يُهَرّب خارج البلاد، مبلغ 14.5 مليار دولار أميركي -على الأقل- تساوي 60 بالمئة من ميزانية سورية في عام 2006، وفق وثائق بنما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق