قضايا المجتمع

الجامعات السورية تبيع “النجاح” ولكل مقرر سعره

تنفّس طلاب الجامعات السورية الصعداء أخيرًا، بعد شهر مرهق من الامتحانات، تعرضوا خلاله لكثير من المصاعب، يتعلق بعضها بأزمة مواصلات غير مسبوقة في الساحل السوري، مردّها عدم وجود مازوت، وبعضها الآخر متربط بفساد يستشري في الجامعات السورية.

طلاب جامعة تشرين في اللاذقية، من محافظة طرطوس وقرى ريف اللاذقية، لم يتقدموا لامتحانات كثير من مقرراتهم الدراسية لأوضاع التنقل الصعبة. فجرى تأجيل بعض المقررات في بعض الكليات، بالتعاون مع إداراتها، والقسم الأكبر من الطلاب لم يجد من يسمع صوت معاناته ليتأخر ترفعه أو تخرجه إلى الدورة الامتحانية في حزيران/ يونيو المقبل. علاء. ع، أحد طلاب كلية الآداب، من منطقة صافيتا، “راح عليه” كما يقول، تقديم مادتين من مواد السنة الثالثة، وأضاف موضحًا: “أول مادة تأخرت عنها بسبب البطء في إجراءات “التفييش” عند حاجزي صافيتا ومدخل جبلة، دون مراعاة لوضع الطلاب، والمادة الثانية ضاعت بسبب فقدان مادة المازوت، وتأخر باصات النقل الداخلي التي جرى تسييرها من اللاذقية، في محاولة فاشلة لإنقاذ امتحانات الطلاب”.

تفاقمت ظاهرة الفساد في الجامعات السورية في خلال السنوات الأخيرة، مع غياب القانون وتزايد المحسوبيات، وبحسب طلاب من عدة جامعات، فإن ثمن المقرر الدراسي يتناسب طردًا مع السنة الدراسية، وبحسب أهميته وصعوبته. تتراوح تكلفة المادة من 20 ألفًا إلى 75 ألف ليرة سورية، إضافة إلى هدايا؛ بحسب ذوق الطالب.

يخضع طالب الهندسة -مثلًا- أكثر من غيره لابتزاز الدكتور المشرف على مشروع تخرجه، ويغدو مقرر ما، عبئًا يسعى الطالب للخلاص منه بأي وسيلة، مقولة “بدنا سلتنا بلا عنب” من أكثر مقولات الطلاب على حدّ وصف زينة. ن. وهي طالبة في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، “سمعت عن قصص الدفع لمدرسي المواد من السنة الأولى” وحسبت زينة أن “الأمر مبالغ فيه، لكن رسوبي لثلاث دورات متتالية في إحدى مواد السنة الثالثة، جعلني أعيد النظر فيما كنت أسمعه”.

وأضافت زينة: “تقوم المكتبات الخاصة المنتشرة قرب الجامعة، بدور الوسيط بين الدكتور والطالب، يلعب المعيدون ضمن الكلية دورًا أيضًا عن طريق الدروس الخاصة، التي تعدّ فرصة للمعيد لتصيّد الطلاب بالتنسيق مع مدرس المادة”.

في جامعة حمص، يتزايد عدد الطلاب من حملة المواد في كلية العلوم مع كل دورة امتحانيه، وهو أسلوب يلجأ المدرسون إليه، من خلال تصعيب الأسئلة الامتحانية على الطلاب، فيضطرون لمراجعة المدرس في مكتبه، محاولين كسب تعاطفه، وينتهي التعاطف بالاتفاق بين الطلاب والمدرس على التخفيف من صعوبة المواد، مقابل مبالغ مالية تختلف بحسب عدد الطلاب المراجعين.

وقال سمير. م، من قسم الكيمياء: “نسبة النجاح في أحد مواد السنة الثالثة في الدورة الثانية، من العام الماضي كانت 10 بالمئة. اتفقت مع عدد من زملائي على زيارة الدكتور في مكتبه، فقال لنا: من الآخر أريد 100ألف ليرة، وبغير ذلك لا تتأملوا النجاح”، جرى توزيع المبلغ على سمير وزملائه لحل المشكلة، وبالفعل -كما وعدهم مدرس المادة- جاءت الأسئلة مكررة في الدورة اللاحقة.

الحال في جامعة تشرين ليست بأفضل من سابقتيها، غير أن بعض المدرسين لا يأمنون للطلاب، فيفضلون الزيارة المنزلية. دكتور في كلية العمارة يعطي رقمه الخاص للطلاب مع بداية العام الدراسي، بدايةً للتواصل، ثم يكتشف المتصلون به من الطلاب، أن الرقم ليس سوى أسلوب لدعوتهم مع هداياهم إلى منزله لترتيب أمر المقرر الدراسي. كشف جعفر. ش، من طلاب قسم العمارة أنه زار الدكتور: ” في بيته قبل موعد تقديم المقرر بيومين، وسلمته المبلغ والهدية وهي قنينة مشروب روحي مستوردة، وللأمانة إنه صادق! الأسئلة التي سرّبها لي جاءت في الامتحان”.

من انجازات البعث: عسكرة الجامعات

تولى اتحاد الطلبة في جامعة تشرين، منذ بداية مظاهرات عام 2011، قمع محاولات التظاهر داخل السكن الجامعي. ولإظهار الأمر في صورة خلاف في وجهات النظر بين الطلاب يحلونه بين بعضهم، وجرى توزيع السلاح على طلاب الاتحاد، بدلًا من أمن الجامعة لحراسة مباني الجامعة والسكن الجامعي، ليشكل اتحاد الطلبة المسلح -لاحقًا- نواة “كتائب البعث” التي انتشرت في جميع الجامعات السورية. وأخيرًا جرى افتتاح مراكز لتطويع طلاب وموظفي الجامعات داخل الجامعات السورية، بإشراف اتحاد الطلبة لصالح “كتائب البعث”، بوصفها فصيلًا مقاتلًا من فصائل “الفيلق الخامس”، لقاء عقود سنوية برواتب 200 دولار، وميزات أخرى مقابلة بجنود الجيش النظامي، ترافق ذلك مع حملة ندوات تشجيعية للتطوع بسبب انكفاء قسم من الطلاب عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وترسيب كثير منهم نفسه ضمن سني دراسته، لتأجيل خدمته، أو الهروب خارج البلد.

من جهة أخرى، وفي ظل الأحوال المعيشية الصعبة، وإمكانية إكمال الدراسة لاحقًا، وجد قسم من الطلاب في ذلك فرصة لكسب وظيفة قبل التخرج، عماد واثنان من زملائه من كلية الكهرباء قرروا الالتحاق بالعقود التطوعية، يقول عماد: “كنت أفكر بالسفر، لكن حاليًا لا، راتب التطوع معقول، وإذا بقيت حيًا يمكنني أن أشتري لاحقًا شهادة جامعية”!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق