سورية الآن

طويلة..

تُكمل اجتماعات جنيف في السياسة ما تفعله اجتماعات الآستانة في الميدان، إزاء النكبة السورية. وتحديداً لجهة التمويه على حقيقة، أن تلك النكبة لا تزال طويلة. وأن السلام المنشود في «ظل» استمرار بقاء بشّار الأسد في مكانه، هو شيء شبيه بالاستحالات التخريفية الثلاث: الغول والعنقاء والخلّ الوفي!

وحده أنطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة، نطق بما لا يريد غيره النطق به، أو إعلانه وذهب من بداية الطريق الى آخره عندما أكد نصف الحقيقة القائلة بأن «السلام بعيد»، وطنّش عن النصف الثاني القائل باستحالة الوصول الى ذلك الهدف النبيل طالما أن الأسد يسدّ الطريق عليه، أو بالأحرى يُستخدم كذلك، من قبل رعاته وحُماته الإيرانيين من جانب والروس من جانب آخر.. وكل جانب لغايات وأهداف خاصة به وبأزماته المفتوحة مع الشرعية الدولية!

اجتماعات الآستانة بهذا المعنى، مُفيدة أكثر من مطوّلات جنيف واختصاراتها. وإن كان «الجهد» الروسي تحديداً، ينصبّ على ربط هذه بتلك. أي توظيف المنحى الميداني المائل باتجاه مضاد للشعب السوري وقواه الناطقة باسمه وباسم طموحاته، في سياق الاستمرار في قضم الآلية المنطقية الوحيدة الموصلة الى «تسوية»، أي تلك التي تربطها حكماً برحيل الأسد وبطانته وباعتبار «الحرب على الإرهاب» ناقصة طالما لم تترافق مع معالجة «بعض» حججها وشمّاعاتها وأسبابها ومراكز الجذب فيها، والتي كان ولا يزال النظام الأسدي البعثي الفئوي في قمّتها ورأسها!

لجمت الآستانة صهيل خيول الحسم الأسدية – الإيرانية. ووضعت سدّاً (مؤقتاً) أمام الجموح الثأري والانتصاري لذلك الثنائي! وأظهرت، بشكل لا يخلو من عبث الزمان الراهن، تمايزاً حقيقيّاً بين أهل المحور الذي قاد المعركة في حلب: رأى الروس شيئاً آخر غير الذي يراه الإيرانيون وأتباعهم في بقايا السلطة.. وارتأوا أنّ حساباتهم تفرض عليهم الأخذ بمنطق هذا العالم وليس بمنطق الزاوية المحروقة منه! وسوريا (كلها!) وفق هذا القياس، هي معبر بالنسبة إليهم وليست غاية تامّة. فيها وعبرها (وعلى دمائها ودمارها) يمكن المساومة على العقوبات القارصة، مثلما يمكن استخدامها كمصعد للعودة الى الجلوس جنباً الى جنب، في المنصّة الصدارية التي يحتلها الأميركيون، ولا يزالون يتمتعون فيها بترف ريادة لم تَقوَ انكفائية باراك أوباما على كسرها برغم الضرر الذي ألحقه بها!

وفي الآستانة نظّم الروس وحدهم تقريباً المشهد في جملته وحملوا المسطرة من وسطها: معركة حلب «انتصار» ميداني لكنها شبه هزيمة سياسية! جاء الأتراك معها وبعدها الى الداخل السوري حرفياً ومباشرة وأمكنهم بعد طول معاناة ومناجاة، فرض دورهم الذي لم يستطيعوا فرضه عندما كانت كفة الميدان تميل لصالح حلفائهم!.. ثم تقرّر الاستمرار في العملية التفاوضية، تحت راية مشروع الدستور الجديد! ثم تقديم ما يلزم من مؤشرات الى نيّة فعلية للبحث مع الادارة الأميركية الصاعدة عن مساحة اتفاق أو تفاهم (سمّه ما شئت!) يكون عيّنة عن شيء مماثل (في العنوان) في شأن «القضايا الأخرى التي تهم الطرفين»!

ذلك، وما هو أكثر منه وأعقد وأزنخ دونه سبعة محيطات! ما يفرض الخلاصة الكئيبة القائلة، بأن مأساة السوريين لا تزال في ذروتها. وان اجتماعات جنيف القريبة، لن تخرج عن ذلك السياق ولو سنتيمتر واحد.. بل الأرجح، أن تتصاعد وتيرتها في المرحلة المقبلة، طالما أنّ عملية الفرز الجارية بين «المعارضة الإرهابية» و«المعارضة المعتدلة» ستتواكب مع عملية فرز صعبة وخطيرة، بين حلفاء الأسد وحُماته: الروس من جانب والإيرانيون من جانب آخر.

ومن يرفض تصديق ذلك، فليسأل دونالد ترامب!!

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق