مقالات الرأي

سورية التي يجب أن تعيش

في السياسة، كما في الحرب، غرم وغنم، وفيها رفض وقبول، هذه طبيعة معترك السياسة بكل تداخلاته وتشعباته، وبأدوار المتداولين فيه، واللاعبين كبارًا وصغارًا وبين بين، وعلى الرغم من أنه ليس بالضرورة، أن تأتي الحصافة والذكاء والجدية في إدارة اللعبة السياسية، وفي تبني المشاريع الوطنية الريادية الشاملة والمنقذة، بنتائجها الإيجابية المتوقعة دائمًا، بسبب ظروف ذاتية أو موضوعية قاهرة، حتى وإن تكن تلك الظروف مصطنعة أوموجهة للتّطهر من شلال الدم المراق، كما حدث، ومازال يحدث في علاقات قوى الثورة السورية باللاعبين الدوليين، الذين لم يرضوا لا من الممثلين السياسيين ولا العسكريين، إلا بالارتماء الكامل في أحضانهم، والارتهان لمصالحهم وخضوعهم لتجاذاباتهم وضروراتهم  الجيواستراتيجية والمرحلية، وتبعًا لذلك؛ ضبطت تلك الدول مجمل تحركاتنا السياسية والعسكرية، تقدمًا وتراجعًا، وفقًا لمقتضيات اللعبة الدبلوماسية والسياسية الدولية، ولم يعد يجدي اللوم والعتب ورفع العقيرة بالمظلومية، أو يغيّر أو يزحزح تلك السياسات الدولية من مكانها، ولما اتضح أنّ أوباما بدأ يميع؛ حتى خطوطه الحمر، ويفقدها صدقيتها، بعد توقيع صفقة الكيمياوي وتداعياتها المعروفة، في إثر مجزرة النظام الكيماوي الكبرى في الغوطة الشرقية 21 آب/ أغسطس 2013، وركونه إلى  قرار مجلس الأمن الذي جاء بعد اعتراف صريح من النظام، وقبول أوباما بالمظلة الروسية التي حمت النظام من تطبيق المادة السابعة، إلا بعد العودة إلى مجلس الأمن، ما يعني تعطيلها من الروس وتحرير النظام، من أيّ تلويح بعقوبة جادة مقابل استخداماته المتكررة لها!

لقد بان للعالم أنّ قبول إدارة أوباما بنص القرار السابق ذكره، يعني أنها قبلت بالاصطفاف الطوعي خلف الروس، في ما يتعلق بالقضية السورية، ثمّ أكّدت جميع المباحثات الثنائية بينهما إخلاءها الساحة لهم،  حتى إذا جاء دخولهم لمساندة نظام متهالك عام 2015، لم تتحرك تلك الإدارة ولم تتخذ أي موقف جدّي، لوقف الاستفراد الروسي، أو الحدّ من همجيته في القتل والدمار، فازدادت غطرسة الروس طردًا، مع تلاشي السلطة الديمقراطية لأوباما الذاهبة إلى نهاية عهدها، وبات العالم في انتظار القادم الجديد، ومعه كل المفاجآت المتوقعة، والمحاطة بهالة من التضخيم الإعلامي المعادي لحاكم، سقط على الجميع من خارج السياق المتوقع والمعتاد، وباتت الدول قريبة وبعيدة فريسة قلق، أخذت ملامحه تتضح باتجاه التصعيد مع إيران، والعداء لسياساتها العدوانية في المنطقة، ومحاربة الإرهاب، ولكن من دون الفصل بين الخطوط المتشابكة حتى الآن، إذ كيف يعادي ترامب إيران ويغضّ النظر عن ربيبها بشار الأسد،  وهو يعلم أنها، سترهن سورية بأكملها بنظامها وشعبها في خطّ المواجهة معه، وكيف تتوافق مع الروس المقيدين باتفاق ثلاثي، تشكل إيران أحد أضلاعه الرئيسة، وتتوافق مع تركيا على مناطق آمنة تلبي حاجة تركيا وترضي الأكراد في الآن ذاته، والأهم من كل هذا، كيف سيتعاطى مع قوى الثورة السورية، إذا كان قلبه (الواسع) قادرًا على احتضان الأسد بكل جرائمه، وبكل تابعيته لعدوته الرئيسة إيران؟

الصحيح أننا أمام معضلات وأحاجي، تبدو الإجابة النظرية عنها أقرب إلى التخمينات، إذ قد يقلب الواقع العملي للصراع السياسي وربما العسكري، كل من جهته، هذه المعطيات النظرية رأسًا على عقب، ويحتاج كثير من الدول إلى إعادة اصطفافاته، تبعًا للتحولات الدراماتيكية، بوجود فاعلية لإدارة أميركية جديدة، واتفاق ثلاثي بدأت تشققاته، تتجلى عن صراعات بينية، لم يعد بمقدور الروس ولا الإيرانيين ولا حتى الأتراك تجاوزها، لأنه في حال تركها عالقة، فستكون عقبة أمام الحل المتوافق على خطوطه العريضة بين الروس والأتراك، علمًا أنّ كلًا منهما يفكر بطريقة مختلفة عن الآخر؛ ما يشي بأن الطريق إلى جنيف ليست ناجزة، ولا تعد حتى الآن بحلول سياسية، كما يروّج لها الروس الذين أضافوا إلى توجهاتهم دستورًا إشكاليًا ليس من حيث مضمونه فحسب، بل من حيث شرعية تفويض أنفسهم بتقديمه والضغط على القوى السياسية والعسكرية لقبوله، وهي لم تستطع أن تهضم حتى الآن، كيف لسوريين مغلوبين على أمرهم – بحسب تقديرها- الرفض الواسع لبلسمها الممزوج بالسمّ، فنراها تذهب نحو مزيد من الاستكبار والغلو، ومحاولة تشتيت وفد المفاوضات بإضافة مارقين من منصات، رعتها وحرصت على الترويج لها،  بهدف تمرير مخططاتها عبرها، أو إفشال جنيف 4 كما أفشلت ما قبله إذا لم يجرِ التوافق مع رؤيتها، لذلك؛ كان على المفاوضين الممثلين بالهيئة العليا للمفاوضات والائتلاف والعسكريين المجربين وغيرهم، بوصفهم متمسكين ثابتين، مع كل تحفظاتنا وملاحظاتنا عليهم، أن يلتفوا على خيار الانتقال السياسي من دون الأسد وطاقمه السلطوي الملطخ بدم السوريين، والمثقل بجرائم ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن يعبروا عن تمسكهم بأهداف الثورة السورية، في الحرية والدولة الوطنية ذات الأفق الديمقراطي، بوصفه التوجه الوحيد المتطابق مع عودة بناء الهوية السورية الجامعة للسوريين، بكل اختلافاتهم الدينية والاثنية، وإقرار حقوق القوميات المتعايشة ضمن الكيان السوري.

وفي سبيل ذلك لا بدّ من أن تأخذ الهيئات السياسية المعنية زمام المبادرة، لاستعادة ما فقدته قبل الآستانة وبعدها، حين بدأت بالتداعي والتساقط وبالقفز المتوالي من السفينة التي ساهموا في توصيلها إلى حافة السقوط النهائي، وهم مازالوا يتوهمون تبعًا لنخبويتهم وقلة ثقتهم بالسوريين، أنهم وحدهم القادرون على العودة إلى القيادة، بعد أن يتطّهروا مما علق بهم من مكائد وحرتقات ومراهنات ووو.

لا نصل بهذا إلى ضرورة رمي هؤلاء، بل يجب الاستفادة من خبراتهم التي راكموها، سلبًا وإيجابًا، ليعملوا مستشارين مسؤولين، بعد جردة حساب ومحاسبة شفافة حقيقية، فردية وهيئات ومؤسسات، قبل أن يُقاد السوريون كالنعاج نحو مشروعات الدول الذاهبة إلى إلغاء كيانهم وتوزيعهم حصصًا ومناطق نفوذ، لكل طامع من دول المحيط ومن خلفها، وأخطرها اليوم إعادة تجربة الحل العسكري الروسي للشيشان، وما تلاه من إرضاخ وتطويع كامل لحركة التمرد وأمرائها، حتى عادت صقورهم ” ظباء مرتعشة”!

لكل ما سبق وما بات معلومًا ومنتظرًا من جنيف 4، يترقب الوطنيون السوريون، بقلق نتائج تلك المفاوضات، ومهمات المفاوضين المخولين، الذين يجب أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، وأن يعملوا وفق منظور، أنّ التطابق بين الديمقراطية والوطنية، ليس وصفة إنقاذ وطني فحسب، بل هي الخيار الوحيد لبناء هوية سورية تشاركية، لكل قومياتها ومعتقداتها وإسقاط كل ما دونها من مشروعات فئوية أو أصولية متشددة، ولكي يعود الصوت السوري صوتًا واحدًا وموقفًا سياسيًا ثابتًا، على أهداف خضبها الشعب السوريّ بدمه، منذ أن صرخ في وجه الطاغوت، (سوريا بدها حرية) (واحد واحد الشعب السوري واحد!).

مقالات ذات صلة

إغلاق