هموم ثقافية

مسرح الشارع

منذ استيلاء الأسد الأب على السلطة، ما عرفت شوارعُ العاصمة السوريّة – ولا المدن الأخرى-  “وقفات” تضامنيّة أو مطلبيّة أو احتجاجيّة من مجموعة مثقّفين في إثر اعتقال أيّ كاتب أو فنان. ولا شهدت تلك الشوارع وقفات احتجاج، أو مناشدة، أو مطالبة من مجموعة أمّهات، أو عمّال، أو طلاّب، أو غيرهم.

مبدأ تجمّع بضعة أشخاص في الشارع، ورفع احتجاجات أو مطالب أو مناشدات، سلوك مريب للسلطة الحاكمة، يحيل ذهن أجهزتها المخابراتيّة -آليًّا وفوريًّا- إلى وجود مجموعات تعمل لصالح إسرائيل داخل البلد، فتُعتقَل المجموعة، ويُحقَّق مع أفرادها -داخل أقبية الأفرع الأمنيّة- لتبيّن علاقاتهم بالكيان الصهيوني والقوى المُعادية للسلطة.

لأسباب أخرى غير ما سبق، ما من دافع مفهوم لتجمّع أولئك الأشخاص في عقليّة المخابرات! لو كانوا طلابًا فلديهم اتحاد الطلاّب، عمّالًا اتحاد العمال، فلاّحين.. مهنيين..نساء.. كتَّابًا.. حزبيين؛ فإنّ لهم اتّحاداتهم، ولهم أحزاب سياسيّة بألوان الطّيف داخل الجبهة الوطنيّة!؟

ذهنيّة المخابرات -هذه- أدّت إلى انعدام مشاهد الوقفات التضامنيّة أو المطلبيّة أو الاحتجاجيّة أو غيرها في الشوارع السوريّة بالذات، على الرغم من أنه بالإمكان مصادفة كثير منها في عواصم ومدن بلدان عربيّة أخرى غير سوريّة، من جرّاء سماح سلطات تلك البلدان، أو تسامحها مع الأشخاص القائمين بالوقفات متعدّدة الأهداف.

ومع أن الوقفات هذه تقتصر على لفت اهتمام عابري أحد الشوارع بأهدأ الأشكال، وليست مظاهرات عارمة تضمّ الآلاف وتملأ الشوارع، وهتافات تعلو وتُزلزل، ووكالات أنباء محلّيّة ودوليّة تسجّل وتبثُ، واشتباكات عنيفة بين رجال الشرطة والمتظاهرين… إلاّ انه جرى تحريمها في العهد الأسدي، وإنْ تصادف وحدث، فلدقائق معدودات، ولمصائر مجهولة لأصحابها.

كيف لا، وعين المخابرات السورية ساهرة متنبّهة لأيّ تجمّع، حتى في الأماكن المخصّصة للتجمّع؛ المقاهي؟! ولعلّ ذاكرة الكتّاب ما زالت تحتفظ بواقعة شهيرة، متعلّقة بـ “مقهى الهافانا” وسط دمشق، إذ شكَّل -منذ عقود- ملتقى للمثقفين، على غرار “مقهى الفيشاوي” في القاهرة، ومقاهٍ عدة في غير عاصمة عربيّة.

في يومٍ حضر مندوب من فرع مخابرات إلى المقهى، وسأل إدارته عن هويّة كثير من الأشخاص، لُوحظ تجمّعهم حول طاولة واحدة، وعن نوعية أحاديثهم التي تدور بينهم؟ فأعلمته الإدارة بأنهم من الكتّاب والفنّانين المعروفين في البلد، وأحاديثهم -بالضرورة- عن الأدب والفن. فأوضح المندوب أن “معلّمه” لا يعارض وجودهم في المقهى، لكنه يأمر بتوزيعهم على طاولات عدّة!

وتحتفظ ذاكرة المثقّفين روّاد ذلك المقهى العريق، كيف اضطرّوا إلى تغيير المقهى، واللقاء في آخر عُرف باسم “لاتيرنا”، وكيف رجاهم صاحب المكان الجديد -بعد عدد من لقاءاتهم هناك- بأن يساعدوه في مشكلته المتمثّلة بطلب المخابرات منه ضرورة عدم تجمّع كثير من هؤلاء الروّاد بالذات، حول طاولة واحدة، ووجوب توزيعهم.

ونتيجة لهذا، توزَّعت مجموعة المثقّفين -دفعًا لتوريط إدارة المقهى في مشكلة مؤكَّدة مع المخابرات- على مساحة جناح في المقهى، إذ شرعوا -بالصوت المرتفع والملآن- يتبادلون الأحاديث والسخريات والحكايات والغمز واللمز؛ ما حوَّل الجناح إلى ما يشبه مسرح الشارع، نتيجة تزايد أعداد المنضمّين من عامّة الناس إلى جلاّس هذا الجناح الذي استهوتهم -كما يبدو- الأحاديث والحكايات الملغزة، وراقت لهم الإشارات والرموز المتداولة بين الكتّاب والفنّانين.

مقالات ذات صلة

إغلاق