أدب وفنون

»شكرًا لتأخُّرِك» توماس فريدمان: »سوبّرنوفا» عالمٌ متغيّر

كيفَ يسيرُ العالم اليوم، وكيفَ يتغيّر، وما القوّة التي تتحكّم بمسارِه، وتدفع به نحو تحولاته الكبرى التي نشهدها في العقود الأخيرة؟ فبعد أن كان مؤلّفُ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الكاتب الصحافيّ البارز توماس فريدمان، يحتاج إلى الوقوف لساعاتٍ في طوابير كبائن الهاتف في لندن، لينقل تقريره للصحيفة التي يعمل لها منذ عقود، بات بإمكانه اليوم أن يرسل عموده الصحفيّ من وسط مجاهل الغابات الإفريقية ليجده منشورًا على الموقع الإلكتروني لصحيفة النييويورك تايمز، قبل أن ينتهي من تحضير كوبٍ من القهوة. لقد أضحى إيقاع العالم من حولنا سريعًا على نحوٍ باتَ اللحاق به مسألةً مؤرّقةً للأفراد والمجتمعات والأمم.

في كتابه الجديد الصادر أواخر العام الفائت، بعنوان» شكرًا لتأخّرِكThanks for Being Late  « يحاول توماس فريدمان رصد أبرز المحطّات التي واكَبَت ولوجَنا عصر التسارع المذهل الذي نحياه بمفرداته الجديدة التي تدخل حياتنا بتسارعٍ هائل، مُغيّرَةً ملامح عالمنا على نحوٍ مثير؛ إذ “نرى متسلِّقي قمّة إيفيرست يصطحبون هواتفهم النقالة؛ ليبعثوا لنا برسائلهم عند بلوغهم القِمَّةَ، مستفيدين من تغطية الشبكات الخليويةٍ الكاملة، بعد أن كانت تلك البقعة مكانًا منقطِعًا عن سواه من العالم، نرى سيّارات تقود نفسها إلى جانبنا في الطرقات، نشاهد ثرواتٍ تتراكم وديونًا تتفاقم، فيما تقف “أمّنا الطبيعة” عاجزةً وسط زحمة هذه المتغيّرات المضطّردة؛ لتختنق بمستويات الكربون المتصاعد، وتكابد انقراض أنواعها النادرة، وتهالك تنوعها البيولوجيّ.

يحدث ذلك كلّه في سرعةٍ باتت معها قدرتنا على التكيّف موضِعَ تساؤل، وبحسب ما يرى فريدمان،  فإنَّ الإنسان لا يواجه عادةً مشكلات في التأقلم بوصفه من أبرع الكائنات في التكيّف، غيرَ أنَّ المشكلةَ تكمن في أنَّ قدرتنا على التكيّف تبدو اليوم، وكأنّها أبطأُ من التغيير الذي يشبّهُهُ الكاتب بــ» السوبرنوفا «Supernova أو (المُسْتَعِرُ الأعظم)، وهو حدث فلكي يحدث خلال المراحل التطورية الأخيرة لحياة نجم ضخم. وتتكوّن» سوبرنوفا «عصرِنا -بحسب فريدمان- من ثلاثة مكوّناتٍ فائقة السرعة، هي التكنلوجيا والسوق والتغيّر المناخي، إذ يناقش الكتاب كلًا منها بالتفصيل؛ متّتبّعًا انعكاساتِها على نواحٍ رئيسة خمس، هي: موقِعُ العمل والسياسة المحليّة والواقع الجيوسياسيّ، فضلًا عن الأخلاق والمجتمع.

وعن تفاعل تلك المكوّنات في ما بينها على نحوٍ يزيد من تعقيد وتسريع بعضها بعضًا، يقدّم فريدمان أمثلةً من الآثار الناجمة عن التغيّر المناخيّ، ففي النيجر، على سبيل المثال، تسبّب تغير المناخ في إلحاق ضرر بالغ بالمحاصيل الزراعية، في الوقت الذي ساعد فيه التقدم التكنولوجي في إنقاذ حياة كثير من الأطفال في ذلك البلد، غيرَ أنَّ المفارقة التي يلفت الكاتب النظر إليها هي أنَّ سكّان البلاد، البالغ عددهم 19 مليون نسمة حاليًا، سيرتفع إلى 72 مليون شخص (جائع) بحلول 2050عام، كما ينبّه فريدمان إلى أنّ سرعة التطورات التي نشهدها مرشّحةٌ للازدياد، فعلى سبيل المثال، لدينا اليوم نحو 10 مليارات شيءٍ من الأشياء المتصلة بالإنترنت، وهذا الرقم لا يشكّل سوى أقل من 1 بالمئة من الإمكانية التي توفّرها شبكة الإنترنت.

لقد غيّرت التكنلوجيا أسلوب حياتنا، مثلما غيّرت مفهوماتنا حول مسائل عدّة، فعلى سبيل المثال، باتت حاويات القمامة ذكيّةً، وَفازَ الحاسوب واتسون في مسابقة برنامج (Jeopardy المَحَكّ) وكيف أنَّ سلسلة فنادق Airbnb تؤجّر غُرَفًا أكثر من جميع سلاسل الفنادق الكبرى مجتمعة، من دون حيازتها أيّ أملاك خاصة.

ولعلّ أفضل مثالٍ يسوقه فريدمان حول تسارع التغيّرات التكنلوجية التي يشهدها العالم، اضطّراره شخصيًّا في أثناء تأليف هذا الكتاب -منذ عامين- إلى إعادة الاجتماع بمعظم التقنيّين الذي كان التقاهم في بداية تأليفه للكتاب، نظرًا لحاجته إلى تحديث كثير من محتواه المتعلّق بالتكنولوجيا، على ضوء التغييرات التي جرت خلال عامٍ واحد. “فحينَ تسقط الاختراعات التكنلوجية بالتقادم، وتنتهي دورة حياتها (عادةً ما يحدث ذلك كلّ خمسة أعوام) فإنَّ السوبرنوفا تسخرُ من براءات الاختراع، ومن النظام التعليمي أيضًا”. يقول فريدمان.

في حين لا يتردّد المؤلّف في التفكير بصوتٍ عالٍ، بهدف مراكمة مزيد من الأفكار التي -ربما- تساعد في إنتاج صيغةٍ تكافلية بين البشرية وعالمِها، بما في ذلك عالمها الطبيعي، كأنْ يتحدّث بإسهابٍ عن ضرورة قيام ثورةٍ خضراء؛ لمواجهة التداعيات الخطِرة لظاهرة التغيّر المناخي؛ إلاَّ أنَّ القدر الأكبر من الكتاب يذهب لصالح التأريخ المعاصر -إن جاز التعبير- إذ يلاحظ انشغال الكاتب في عرضِ السياقات التي أفضَت إلى أن يكون عالمنا على النحو الذي هو فيه اليوم، ومثلما يقول فريدمان؛ فإنَّ ما يحاول فعله في هذا الكتاب أشبه بعملية ترجمةٍ داخل اللغة الواحدة (من الإنكليزية إلى الإنكليزية).

 

لماذا يحدث كل ذلك؟

بحسب ما يرى فريدمان، فإنَّ سنة 2007 مثّلَت نقطة انعطافٍ تاريخيّ على الصعيد التكنلوجي. ومثلما يعرض فريدمان، فإن التزايد الدليلي في القوة الحاسبة التي يحددها ويُعَرِفها قانون مور، له علاقة كبيرة بما يحصل. كان العام 2007 نقطة انعطاف رئيسة، إذ إنَّ إطلاق هاتف الآيفون، إضافة إلى التقدم في صناعة شرائح السيلكون، وفي تقنية تخزين البرمجيات وأجهزة التحسس والشبكات، خلقت جميعها منصّةً جديدةً للتكنولوجيا أشبه بـ» السوبرنوفا «لناحية القدرة الهائلة التي أطلقتها والتي أمكَنَها تغيير كل شيء، بدءًا من “طريقة حصولنا على سيارة الأجرة، مرورًا بأشدِّ علاقاتنا خصوصيّةً؛ وصولًا إلى مصير أممٍ بأكملها”. كان من شأن ذلك خلق فرص جديدة وواسعة للأفراد والمجموعات الصغيرة لإنقاذ العالم. أو لتدميره.

ويروي فريدمان، قبل عامين من الآن، حصل أمر استثنائي للأبقار، شمالي ولاية نيويورك، فخلال العقود الماضية، كانت مهنة حلبُ الأبقار تتوقّفُ على المهارات البشرية لعمال المزارع، غير أنَّ الأتمَتة وأجهزة الحاسب باتت تتحكم بضروع الأبقار، وتؤمّن السلاسل وتدفق الحليب، ما يعني اندثار صورة المُزارع التقليدية، وهو يخوض في الرّوث ليحلب الأبقار. يقول فريدمان في كتابه: ” في المستقبل قد يحتاج العامل الناجح في حلب الأبقار لأن يكون قارئًا فطنًا ومحللًا للبيانات”.

يبدو هذا الأمر مشجعًا، إذ إنَّ أتمتَة حلب الأبقار تعني حليبًا طازجًا أكثر، لكنه -من ناحية أخرى- يبدو أمرًا محبِطًا؛ لأن عمليات إنتاج الألبان إلكترونيًا تعني تلاشي فرص العمل للعمال من الطبقة الوسطى، وبذلك تحلّ محلّهم بضع برامج وأيدٍ عاملة قليلة التكلفة، في ظل غياب أي قواسم مشتركة بينهما. وفي كلتا الحالتين، يبدو فريدمان مقتنعًا بأنَّ ما يحدث في إنتاج الألبان إنّما هو شرارة صغيرة لثورة أكبر، تبدو مُلِحَّةً ولا سيما بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.

 

هل من حلول؟

على عكس ترامب، فإنَّ فريدمان لا يقدّم أفكارا سهلةً أو شعاراتٍ عاطفيّة، بل يطرحُ جملةً من الخطوات لتحقيق النموّ المستدام قد توصي بها “أمّنا الطبيعة”، وتتراوح هذه الخطوات بدءًا من التخفيضات الضريبية، مرورًا بحظر على السّكَر، وليس انتهاءً بتوسيع برامج تعلم البالغين، وفرض رقابة أكثر حزمًا على الحدود. كذلك يرى فريدمان أيضًا أنَّ الأميركيين بحاجة لاستكشاف شعورهم بالوحدة والتماثل، ويستشهد الكاتب بمسقط رأسه مينيبوليس لإثبات ذلك؛ إذ يعود الكاتب إلى بلدته؛ مستَكشفًا بعض الممارسات الفاعلة للمواطنة الديمقراطية، ويشرح كيف أنَّ بلدته أوجدت -في خلال العقود الأخيرة- أسلوب حُكمٍ شاملٍ ومتناغمٍ، نسبيًا وعمليًا، في الوقت نفسه، ما جَعَلَ الكاتب يقتنع بإمكانية زراعة القيم والتناغم في أيّ مكان، وهي مفتاح النجاة من التفكّك البائس، خاصّةً في عالم ترامب. غيرَ أنّ الكاتب لا يرى المهمّة باليسيرة وسط التحديات التي دفَعت بنصف الشارع الأميركي إلى انتخاب ترامب، وفي طليعتها التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

ولكي يصار إلى مواجهة هذا التسارع، فإنَّ فريدمان ينصح بتطوير ما يسمّيه “بالاستقرار الدينامي” الذي يستدعي إعادة تصميم أماكن العمل والسياسات والأخلاق والمجتمعات، ويسوقُ لنا دروسًا من الطبيعة الأمّ حول المقدرة على التكييف والاستمرار في هذه الحياة، إضافة إلى أنّه يشعر بالتفاؤل حول الفرص المتاحة أمامنا، ويرى في تطبيق الاستراتيجيات التي يدعو إليها فرصةً لخلق عالمٍ أفضل. ومن الأمثلة الملفِتة التي يسشتهد بها فريدمان لتعزيز تفاؤله، خروج تونس سالمةً من الأعراض التي رافقت ظاهرة الربيع العربي، إلى جانب إشارته إلى الدور الذي بدأت تلعبه صناعة تربية الدجاج في الحدِّ من الفقر في إفريقيا.

يحاول فريدمان تقديم رؤيته للتعايش مع ما يعدّهُ “لحظةً تاريخيةً غير مسبوقة”، باقتراحه استراتيجيات من شأنها مساعدةُ البشريّة على التكيّف، وعلى سبيل المثال، يقترح على حكومة الولايات المتحدة الأميركية خطّة عملٍ تحتوي ثمانية عشر إجراءً عمليًّا، ينبغي إجراؤها للتكيّف مع العالم الجديد، بدءًا من إيجاد نظام تأمينٍ طبيّ حكوميَ، وصولًا إلى تعزيز البنية التحتية والانفتاح على التجارة العالمية. غيرَ أنَّ القارئ اليوم سوف يبادر إلى الاعتقاد بأنَّ خطواتٍ -كهذه- لا شكّ في أنّها لن تجد مكانًا، في أجندةِ دونالد ترامب على الأقل.

على الرغم من جسامة التحديات، ثمَّةَ نزعةٌ تفاؤلية تهيمِن على الكتاب، وعلى سبيل المثال، وكما يرى فريدمان، فإنَّ الأداء البشري في استيعاب التقدّم التكنلوجيّ يشهد تحسّنًا ملحوظًا، كما يرى الكاتب، إذ إنَّنا لم نعُد اليوم نستغرق أكثر من عقدٍ لاستيعاب التطورات التي احتاجَ استيعابها إلى ضعفِ هذه المدّة في السابق.

مقالات ذات صلة

إغلاق