كلمة جيرون

سقف وطن أم خيمة؟

 

عبر التاريخ الذي نعرفه؛ لم يُهجّر فنان مع جمهوره إلى خارج بلاده! حدث هذا فقط للفن السوري المعاصر جدًا (مسرح سينما تشكيل موسيقى….) ما حدث هذا مع إبسن النروجي ولا بيكاسو الإسباني ولا بريخت الألماني ولا تركوفسكي الروسي ولا ناظم حكمت التركي ولا حتى المتنبي العربي… وإذا كانت هجرة أو تهجير التشكيل والأدب والموسيقى ممكنًا، فتهجير المسرح عملية اقتلاع ومخالعة شبه مستحيلة، لكنه المسرح السوري “الجديد” الذي يتميز بالفقر والتوهج، والحماسة المغامرة، وروح الحداثة والأمل بالمستقبل؛ المسرح الذي نزح قسرًا أو طوعًا، إلى لبنان والأردن وتركيا وبقاع شتى من الأرض، ونزح معه جمهوره، الركن الثاني في أي عمل إبداعي، حكم على نفسه بالتوهج والتجدد.

فنان غادر بلاده المدمرة، وراح يبحث عن وسيلة ما للتعبير عنها وعنه، عن روحها وروحه، وجد في المسرح طريقًا ووسيلة، وبدأ يكتب ويجرب ويبادر ويجسد، ويقيم الورشات ويشكل التجمعات المسرحية، للكبار وللصغار، متحديًا الأوضاع الصعبة والأسئلة الطارئة، معتمدًا ليس على “السلال” والمعونات الغذائية فحسب؛ وإنما على المعرفية والإبداعية كذلك؛ محاولًا خلق شيء من لا شيء.. وهذه تجربة مريرة وامتحان صعب، قد يكون البذرة الناضجة التي تشبه بذور التأسيس الأولى لمسرح واعد، وإن كان الأمر يحتاج إلى وقت طويل، حتى تنتش تلك البذور وتورق.

وجمهور من المحبين والمهتمين، والناس البسطاء العاديين الذين –ربما- لم يكن المسرح يعني لهم شيئًا قبل الثورة، والذين اقتلعوا بالقوة من بيوتهم، وباتو يعيشون في الخيام، فتحولوا إلى جمهور تراجيدي من المنفيين المقهورين الذين انتبهوا -بعد سبات حزين- وراحوا يرددون مونولوج الألم والغضب والدهشة والحنين!

هذا يُعدّ ظاهرة بحد ذاتها، لم يسبق أن عاشها مسرح في تاريخه القديم أو المعاصر. والفرق كبير جدًا بين جمهور المسرح “القطيع” في زمن الاستبداد وخشباته المنخورة، وجمهور النازحين المتمرد على الاستبداد، المتعطش للجديد، الرافض للقوالب القديمة. جمهور الحصباء وخيام الريح؛ العاطفيُّ الساخط، التوّاق للتجمع والمشاركة والبناء والوئام والسلام…

وبما أن الموضوعات التي يعالجها المسرحي النازح جديدة، في أوضاع مستجدة، فمن الطبيعي أن يكون خطابه مختلفًا وجديدًا؛ ومن ثمّ؛ يصبح الشكل حديثًا ومبتكرًا بدوره. فالحداثة تبدأ -عمليًا- عندما تتغير عناصر الإبداع الأساسية: الأداة والمادة، والشروط الموضوعية المحيطة به، إضافة –طبعًا- إلى الشروط الذاتية للمبدع. قد تكون تجربة بريخت الذي هرب من بطش النازية إلى أميركا، مثالًا. فقد عجل هذا في إنجاز نظريته: المسرح الملحمي “التغريب”، على الرغم من أن بريخت ذهب إلى هناك بلا جمهور، وكذلك تجربة عدد كبير جدًا من الفنانين الذين هربوا فرادى، من بطش أنظمتهم أو الحروب الأهلية التي نشبت في بلدانهم…

من هنا تأتي خصوصية وفرادة التجربة السورية الفذة.

أما أولئك الذين يقفون مع النظام أو مع الرماد، وما زالوا يمارسون المسرح، تحت سقف الوطن، كما لو أن شيئًا لا يحدث، فهم فصاميون هامشيون، ومبتذلون إلى أبعد حد، لأن الفنان لا يمكن أن يكون حياديًا أمام المأساة، ولا يستطيع أن يكون كاذبًا أو كفيفًا أمام النار. إنهم يحاولون، في أفضل الحالات، أن يتحولوا إلى أبواق تبرر الجرائم، أو أن يقنعوا العالم بأن سورية وشعبها بخير، وهي ليست كذلك قط. لقد اختاروا أو أجبروا أن يكونوا خارج التاريخ.

صحيح أن الأعمال المسرحية يجب أن تجري “تحت سقف الوطن”، لكن سورية الآن بلا سقف ولا خشبة! علينا أولا أن نغير السقف ونستبدله بسقف جديد؛ حتى لو كان قطعة من السماء. ثم إن العروض المسرحية تحتاج إلى جمهور يشاهدها ويتفاعل معها، فالفن بلا جمهور لا معنى له، ولا وجود. وجمهورنا الآن إما قتيل أو جريح أو معتقل أو مشرد… فعن أي مسرح يتحدثون! وتحت أي سقف يمثلون! وعلى أي خشبة!؟

 

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق