قضايا المجتمع

يا بابا “شيلني”… يا أبتاه من يربط الثور

إنه العالم الزاحف على بطنه، مثقل بخطاياه، يشاهد نزف الأقدام على يافطات قصوره، فتنزف أخلاقه أكثر وأكثر، وتتعثر الكرة الأرضية التي تحمل قوانينه ورذائله وسياسييه، وتتهالك أوسمة عسكره وأناقة مشاهيره على فوهات الجحور الليلية، فيترفع عبد الباسط طعان الصطوف أنيقًا وبعيدًا عن حثالات الظلام، وتصبح بلدة الهبيط الصغيرة، اختصارًا لسورية الكبيرة بالصوت والصورة، إذ تصرخ “يا بابا شيلني” فتتشقق الحناجر والمآقي.

من يحمل من يا طفل الفجيعة الممتدة، ومن يسند من يا عبدو، في عالم انهارت أسوار القيم فيه لأبعد من حدود الفاجعة.

من يحمل من، ووالدك المكلوم بالآه، كما كل السوريين أصبحوا يحلمون بأن يحملهم الله، إلى كوكب آخر لا لغات ميتة فيه، بل لغات حية تفهم شعوب الأرض لكنتها، أو إيماءاتها، أو صورها، أو همساتها، أو تعابير نزف أقدامها ورؤوسها.

في عام 1972، التقط مصور صحافي صورة طفلة النابالم الفيتنامية، كيم فان، التي التقطها المصور الصحافي نيك أوت في 8 حزيران/ يونيو 1972، لم يكن حينئذ العالم قد قفز عابرًا للحدود بالإنترنت الفضائي، ولا يحمل في جيبه هاتفه، ولا يملك تلفزيونًا فضائيًا، ولم يمنع تداول الصورة حينها على صدور الصحف بذريعة أنها عارية وتخدش حياء العالم، فالعالم الذي يرمي النابالم والموت، هو بالأساس بلا حياء ليخُدش، لكن صورة فتاة النابالم كما قالت عنها رئيسة وزراء النرويج، إرنا سولبرج، “شكلت تاريخ العالم”.

في شباط/ فبراير 2011 دوّن بعض أطفال سورية حكايات الماضي المكسور، وأحلام الغد الواعد، فجاء أمر الجنرال الأكبر، بإخصاء طفولة وطن، يحلم أبناؤه أن يشكلوا تاريخًا جديدًا لإنسانيتهم المفقودة على يد الطغاة، فاعتُقلوا تلبية للأمر العالي، ليتبدى أن وظائف الحكام الكبرى في عالمٍ ثملٍ، هو إخصاء الأوطان، كي تبقى القصور ولادة على طريقة الاستنساخ، والشعوب مطواعة على طريقة النعاج.

في 29 نيسان/ إبريل 2011، اعتُقل حمزة الخطيب ابن 13 ربيعًا، بتهمة محاولة اغتصاب نساء “النجباء”، في وطن امتهن نجباؤه التهريب والنهب، وسبي خلايا أجسادهم التي تحملهم، كي تصبح عاقرًا، خاوية من كل ما يجعلها تتكاثر طبيعيًا بلا استنساخ.

تم إخصاء حمزة الخطيب ليشبه الوطن المخصي منذ عقود، حين تربعت على عرشه آلهة الأرض، ورفعت خيمة لتحجب رؤية إله السماوات، عن آلهة العربدة على أبواب الوزارات والثكنات، ومرابع الحشيش الذي لم يكتشف السوريون أنه ماركة أممية، تأدلجت باليسار واليمين، وامتهنت بزنس الشعارات، فخلطت الألوان بلا نكهة لتثير عمى اللون، فتاهت المسافات بين خيمة آلهة الأرض، ووكلاء السماء على هذه الأرض، فكان أن أصبح كل زعيم إلهًا، وكل داعية نبيًا، وكل صاحب نياشين وليًا.

في الهبيط، هبط الإيحاء الآتي من رعاة مجلس أمن هذا العالم المسبوك من معادن زائفة (فالصو)، على من أثنى عليه مجلس شعبه، حين توجه أحدهم إليه قائلًا بأنه أكبر من سورية، وتحق له رتبة “سيد العالم”، كي يمارس لعبة القادة الأذكياء الذين يشبهون النسل المعتّق، في صناديق النبيذ الدموي وحارسه “دراكولا” ليوم حاجة.

القادة الأذكياء بعضهم قد يُسمى بوتين، ولربما أولياء الله العاملين لديهم قد يُسمى بعضهم “راسبوتين” بالتناسخ، وبعضهم قد يُسمى أوباما، وأولياء الله عندهم قد يكون اسمهم خامنئي، وخامنئي هذا قد يُفرّخ على طريقة الدمى الروسية في شرق وغرب وجنوب المتوسط.

هذه الدمى الروسية أمر بوتين أخيرًا، باستنساخ آلاف القطع منها مطبوع عليها صورة ترامب، زير النساء وملهم الأذكياء وإن كانوا زواحف، لتُقدم له كهدية رمزية لزعيم الغرب العتي العتيد، من زعيم الشرق الأبي الفريد، في كرة أرضية اختلّت ناصيتها، فبدأت تتأرجح سكرى بنبيذ الأسد الدموي المُعتّق.

يا للأسد المقتدر القادر على كشف عورات الأمم بلعثمة اللغة، يطل بالصدفة على قومه ليصبح رئيسًا، لكن، وعلى الرغم من الصدفة، يصح حينها أن تقابله أولبرايت، طوبى لمن لا طوبى لهم، في غرفة مغلقة في قلب قرداحة الوطن.

يصحّ للأسد الصدفة ما لا يصح لغيره من أولياء الأمن، ومجلسه رفيع المستوى، وقامات زعمائه الكبيرة المتطاولة، فيكون كل شيء بعيد عن الصدفة مفبركًا، من صيحة الحرية السورية، إلى إيلان على شاطئ البحر، إلى فيديو عمران في سيارة الإسعاف، إلى أجساد ضحايا سجن صيدنايا، تمامًا كرئيس الصدفة، حين حج السوريون نحو البحر بالصدفة، كي يهربوا من نعيم حياتهم الصدفة بهذا التاريخ الأسود من عمر البشرية.

من الهبيط في إدلب، ينهض الطفل عبد الباسط الصطوف صارخًا، يا أبي، يا بابا، يا أبتاه الذي في السماوات.

يصرخ عبدو يا أبي الذي في الجوار، “شيلني”، فجاء الخريف متبخترًا وسقط الورق المتبقي مع ارتداد الصوت، فإذ بفضيحة العالم أنه كلّه أصبح من فصيلة الزواحف، وأطفال سورية وحدهم من تُمتشق أجسادهم وإن بلا أقدام كقامة الملائكة.

في الهبيط، يهبط وحي بلغة جديدة، ورسالته السماوية واحدة موحدة، ومن توراتها إلى إنجيلها فقرآنها اختُصرت بجملة واحدة، أن الأنبياء رحلوا منذ مئات السنين، والبشرية أصبحت كثور هائجٍ يحمل الكرة الأرضية على قرنيه، فتتزلزل بين مليارات الأموال المنثورة على كرة القدم، ببهرجة العالم الذي سقطت أوراق التوت الأخيرة عنه، فدخل الهدف الذهبي الأممي إلى المرمى، حيث كان الحارس الطفل -عبدو الصطوف- بلا قدمين يصرخ، يا أبي، يا بابا، يا أبتي يا أبتاه الذي في السماوات، من يربط الثور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق