هموم ثقافية

نحو مؤسسة ثقافية سورية حرّة

خمس سنوات من عمر الثورة السورية، وسندخل السنة السادسة، وفي سلّتنا شِبهُ مؤسسات، إذا لم نقل بأنها فاشلة؛ أقصِدُ السياسيةَ منها: ائتلاف قوى المعارضة، والإداريةَ: الحكومة الموقتة.

لكني سأقتصر في حديثي هنا، على الثقافية منها؛ حيث لم تفعل وزارة الثقافة في الحكومة الموقتة، شيئًا ذا قيمة، لدرجة أن وزيرتيها لم تلتقيا حتى بالمُثقفين والمُبدِعين السوريين المُقيمين في تركيا؛ وربما في عينتاب؛ حيث تُقيم الحكومة الموقتة -أيضًا- ما أقامت سعادُ!؛ بحسب التعبير المُتوَارث.

أمّا رابطة الكتاب السوريين التي كانت أولى تجليات الرغبة في عَمَلِ شيءٍ ما، فمحكومةٌ بضُعف إمكاناتها المالية؛ حتى ضاقت دائرتُها عليها بالذات، فلا هي تواصلت مع الكتاب الذين لم ينتسبوا بعد، لِرَفدِهَا بعددٍ أشملَ منهم؛ عملًا بقاعدة: “أنا هنا.. فليأتِ إليَّ من يريد”، ولا صارَ مَوقعُهَا الالكترونيّ مكانَ لقاءٍ وتفاعُلٍ وحِوَارٍ مفتوح.

وهو ما ينسحب على اتحاد الكتاب السوريين الأحرار –أيضًا- الذي استقطبَ الإسلاميين فحسب؛ كأنما يُوحي بأنه خليّةٌ تابعةٌ للإخوان المسلمين، مع وجود أصواتٍ مُتشدِّدَةٍ فيه أيضًا! بينما أغلبُ أعضاء رابطة الكتاب من اليسار والديمقراطيين.

وجود رابطةٍ واتحادٍ في آنٍ معًا، وفي أحوال التغريبة السورية، يُوحِي لوهلةٍ بالعافيةٍ وبالحرَاكِ الفاعل؛ بينما هما.. في برزخين مُختلفين ولكن ساكنين لا جَدَلَ فيهما، مُستقرَّين إلى درجة العطالة، بل إنهما صورتان للانقسام السياسيّ والإيديولوجيّ الحادّ في المعارضة ذاتِها التي قالت: لا للاستبداد، كما في مجتمعنا السوريّ!

ثمّة تيارٌ ثالث.. لمّا يتبلور بعد، ويتمثّل في: ملتقى الأدباء السوريين، الذي فتح له فروعًا في: عينتاب، أزمير، كِلِّس.. وأخيرًا في جرابلس داخل الحدود السورية.. بالتعاون مع السلطات التركية لا ريب!

وفي الظِلّ.. ثمّة كُتَّابٌ على مسافةٍ من هذه الأقانيم الثلاثة، يُتابعون نشاطهم فرديًا، بحسب أماكن تغريبتهم وأوضاعهم المعيشية.

ينسحب هذا -أيضًا- على الحقل الإعلامي بوجود منبرين أيضًا: رابطة الصحافيين السوريين، واتحاد الإعلاميين والصحافيين السوريين!

ويبدو أنه لا سبيل -حاليًا- إلى توحيد الرابطة والاتحاد ” ثقافيًا أو إعلاميًا” في جسمٍ نقابيّ واحد، ربما اتقاءً لما آلَ إليه الائتلاف ذاتُه، حين ضَمَّ جميعَ التيارات، لكنها بقيت مُتمَترِسةً، كلٌّ منها في دُكّانِهِ الأيديولوجي، وعبر تحالفاته هو؛ بل وصفقاته أيضًا، لا تربطهم صِفَةٌ وطنيةٌ جامعةٌ سوى في التسمية؛ بينما يتصارعون على مراكز النفوذ، بل.. ويُمارسون المُحَاصَصَة في أسوأ تجلياتها، حتى لا أقولَ بحربِ الإشاعات والإساءاتِ الشخصيّة والتصفيات المعنوية.

ثمّة تجربةٌ أخرى.. حاولت لَمَّ شملِ المُبدعين السوريين في الداخل وفي تغريبتهم، ومن اختصاصاتهم كافة: الثقافية والفنية، سُرعان ما انقلبَت إلى تيارٍ يُغَلِّبُ السياسيَّ على الإبداعيّ؛ لغةً ورؤيةً وأساليبَ عَمَلٍ تنظيمية؛ حتى بدا هذا التجمّع أشبه بحزب سياسيٍّ في المنفى، بدلَ أن يكون مؤسسةً لدعم إبداعات السوريين الأحرار، فكان مَآلُ تلك التجربة إلى خلافاتٍ سياسيةٍ لا حَصرَ لها على الطريقة السورية، وبخاصّةٍ حين انضَمَّ ناشطونَ سياسيون من ال “بي أي دي” إليها، لم يكن بينهم مُبدِعٌ واحدٌ، في ذَروةِ إعلانِهِم الانفصالَ عن الوطن السوري، فخَسِرَ المُبدِعُونَ السوريونَ منبرًا وطنيًا جامِعًا لهم، ولم تربح المعارضة السورية شيئًا من خروج هؤلاء إلى العَلَن في مؤتمرٍ باريسي؛ ولم تخسر شيئًا -بالطبع- من اختفائِهِم.

لا ألومُ أحدًا هاهنا، فلكلِّ مَن حَاولَ وتعثّرَ أو أخفقَ أو حاصَرتهُ الأوضاع.. تحيةٌ معنويةٌ محفوظٌةٌ له على مبادرته، فإذا نجَحَ.. رفعنا له القبّعات.

لكن.. إلى متى سنبقى نتحسَّرُ على الخيبات؛ خيباتِنا جميعنا بلا استثناء؛ سواءَ شاركنا فيها، أم كنّا في صَفِّ المُتفرجين السلبيين عليها، أم اكتفينا بالانتقاد فحسب؟!

كيف لنا.. أن يجتمعَ المُبدعونَ السوريون الوطنيون المُعارِضون للاستبداد والفساد، تحتَ مَظلَّةٍ نقابيةٍ واحدةٍ، مُستقلّةٍ ماليًا، وبعيدةٍ عن كلّ أنواع الولاءات؛ سوى إلى وطنٍ حُرٍّ ديمقراطيٍّ ولجميع السوريين؟!.

ثمّ تتكون في تلك النقابة تدرّجًا مؤسسةٌ إنتاجيةٍ لتمويل مشروعاتهم الإبداعية؛ بل تُقيمُ لقاءاتٍ ثقافية ومعارضَ تشكيلية وعروضًا مسرحيّةً وسينمائيةً، وأمسياتٍ فنيَّة لدعم تمويلها الذاتيّ.

الثقافة ليست وَحيًا إبداعيًا كلّما مرَّت قوافِلُهُ بوادي عبقر؛ بل هي صناعةٌ -أيضًا- ومرآةُ حِرَاكٍ جماعيّ مُجتمعي، حتى لو كانت بعضُ أنماط الإبداع فرديةً: الكتابة الإبداعية والرسم مثلًا؛ لكنها تحتاج إلى مؤسسةٍ تتبنَّاها، وتُنتِجُهَا، وتُوزِّعها بين الناس، فكيف -إذن- ونحنُ في مرحلة خرابٍ شامل، وفي متاهاتِ تغريبةٍ لا تنتهي.

هل يُمكن أن نستفيقَ ذات يومٍ.. فنقرأ بيانَ تأسيسِ نقابةٍ للمُبدعين السوريين، لنعمل معًا حتى تكونَ بيتنا الصغير، تنطلقُ منه إبداعاتُ السوريين الأحرار لتُخاطِبَ أرواحَ السوريين العَطشى للحريّة والجَمَال، كما تُخاطِبُ سِوَانا من الشعوب؟!.

المآلاتُ الكُبرى تبدأ من مُبادَرةٍ صغيرة، تجاوَزت إخفاقاتِ مَن سبقها، لتتجسَّدَ مُجدَّدًا بِتَرَاكُمِ الأفعالِ.. لا الأقوال.

مقالات ذات صلة

إغلاق