أبحاث ودراسات

في نقد طروحة الثورة اليتيمة

(1)

يؤكّد زياد ماجد توصيف الصراع الجاري في سورية بالثورة؛ لأنّ نفي صفة الثورة عن الصراع يعود -في رأيه- إلى “تعريف ‘مثالي’ للثورة باعتبارها تمرّدًا عامًا نبيلًا وسلميًا على نظام ظالم. لكن هذا التعريف منافٍ تمامًا لتاريخ الثورات، فالثورات فيها عنف، وفيها انتهازيّون، وفيها تبدّلات في النخب القيادية، وفيها أخطاء، وفيها -حين تكون جذرية كما هي الثورة السورية– إخراج لأحشاء المجتمع بأبهى ما فيه وبأبشع ما فيه أيضًا. الثورة إذًا ما زالت قائمة ومستمرّة، ودخولها الكفاح المسلّح دخول تراجيدي فرضته همجية النظام واستقالة “المجتمع الدولي” من مسؤوليّاته، ولا شكّ أن دخول كهذا يعدّل كثيرًا من الأمور ويدفع بأمراء حرب الى الواجهة، خاصة حين يطول، ويُتيح للاعبين خارجيّين التدخّل وبناء النفوذ وشراء الولاءات وتصفية الحسابات، وهذا كلّه يجري اليوم في سورية، لكنّه لا يغيّر من جوهر الصراع مع نظام استبدادي يستعبد الناس، ولا يغيّر من جوهر النظام نفسه ومن فاشيّته التي يترجمها عنفًا مهولًا كل يوم. أمّا الحديث عن سرقة الثورة فلا معنى علميًا له. وإن كان المقصود هو طغيان الإسلاميين وممارساتهم، فالأمر مردّه حضورهم العسكري وقتالهم، وجلّهم من الأرياف السورية وضواحي المدن المهمّشة، أنا أتحدّث هنا بالطبع عن إسلاميي الثورة، وليس عن داعش أو عن الجهاديّين الوافدين من الخارج الذين لا علاقة لهم بالقضية السورية، والذين قاتلوا الثورة ونكّلوا ببعض أهلها –ولا سيما في الرقة– أكثر بكثير ممّا قاتلوا النظام، المسرور أصلًا بوجودهم”(1) انتهى الاقتباس.

(2)

تعقيبا على ذلك يُمكن القول:                                                                             

أ- إنّ نقد التصوّر المثالي في كون الثورة تمرّدًا نبيلًا على نظام ظالم مناف -بالفعل- لتاريخ الثورات.

ب- دخول الثورة السورية طور الحرب والكفاح المسلح، يتحمّل القسط الأكبر منه سياسات وهمجية النظام السوري، إضافة إلى استقالة “المجتمع الدولي” هذا صحيح، ولكن ينبغي الاهتمام بدور النخب السورية الموالية للثورة في ذلك، الاجتماعية منها والدينية والسياسية، ومن ثم؛ استسهال وتوريط كثير منها في حسابات مغلوطة، إضافة إلى ضعف حضور اللا عنف والنضال السلمي في ثقافة المجتمع السوري برمته، بما يشمل السلطة وقوى الثورة/ المعارضة. ونجد ملامح هذا الضعف قبل الثورة -مثلًا- في ظواهر: ما يُسمى بجرائم الشرف، انتشار القبلية العائلية، وثقافة الثأر، استخدام الضرب أسلوبًا تربويًا، إعجاب فئات واسعة من المجتمع السوري برموز وشخصيات دموية كصدّام حسين مثالًا… إلخ. كلّ هذا من دون أن يُنقص مسؤولية السلطة السورية، سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، عن المجازر وانتهاكات حقوق الإنسان.

ت- في الواقع، إنّ العنف والصراع المسلح جزء مهم من صيرورة انتصار معظم الثورات في العالم، فإذا كان السؤال عن العنف مطروحًا عندئذ ينبغي الحديث عن اقتصاد العنف، بوصفه حالة اضطرارية، وعن طريقة توظيف العنف سياسيًا باتجاه تغيير للسلطة وإحداث تغيير حيوي في المجتمع.

ث- لا يوجد جوهر ثابت لأي صراع. صحيح أنّ الثورة السورية في أهمّ أبعادها كانت ثورة ضدّ نظام استبدادي متوحش، ولكنّ لم يكن هذا هو البعد الوحيد، فمنذ البداية كان البعد العقائدي (الطائفي) حاضرًا في طرفي الصراع، وكذلك البعد القومي (في الحالة الكردية)، إضافة إلى حضور أبعاد اجتماعية اقتصادية أخرى. ثمّ إن الثورة -أي ثورة-  قد تبدأ صراعًا ضد “نظام استبدادي جوهراني”، ولكنها، وعبر صيرورتها، تكون مفتوحة على كثير من الاحتمالات، منها تحوّل القوى الثورية/ المعارضة نفسها، أو بعضها، إلى “قوى استبدادية جوهرانية” تُقاتل بعضها أو غيرها، وهذا حاضر إلى حدّ كبير في الحال السورية، ومنها -أيضًا- إمكانية تحوّل في طبيعة السلطة والنظام الحاكم باتجاه أكثر حيوية، وهذا ما لم يحدث في الحالة السورية، ولكنّه قد يحدث في حالات أخرى.

(3)

الجدير بالذكر أنّ زياد ماجد كاتب أكاديمي لبناني، نشر كتابًا مُهمًّا عن الثورة السورية بعنوان “سورية الثورة اليتيمة – 2013” (2). ويصف زياد ماجد الثورة السورية باليتيمة، كونها “لم تحظ منذ انطلاقها بالدعم أو التضامن الكفيلين بنُصرتها، أو على الأقلّ الموازيَين لحجم تضحياتها ولحجم الأهوال التي لحقت بالشعب السوري؛ من جراء ردّ النظام وحليفيه: الإيراني والروسي عليها, ويكفي أن نقول اليوم إن 130 ألف قتيل وأكثر من 150 ألف معتقل و8 ملايين مهجّر وقصف كيماوي وجوّي وصاروخي وصوَر عن “صناعة الموت” داخل السجون الأسدية، جميعها، لم تحرّك ردود فعل شعبية وحكومية قضائية وديبلوماسية وعسكرية على قدر المسؤولية في العالم، لنفهم معنى اليُتم ومعنى ترك شعب يواجه آلة قتل شديدة الوحشية وغنيّة التجهيز”، وفي تفسير هذا الترك والموقف الدولي المتفرّج، يرى زياد ماجد أن “للأمر عدّة أسباب حاولت شرحها في الكتاب. فيها واقع العلاقات الدولية اليوم، وفيها المصالح الإقليمية المتضاربة، وفيها تراجع الاهتمام “الغربي” بالشرق الأوسط، وفيها تقدّم المذهب الثقافوي الذي يحمل في طيّاته عنصرية تجاه منطقتنا، ترى في العنف أمرًا “عاديًا” في سلوك جماعاتها، وفيها “إسلاموفوبيا” يكفي أن يقتنع معتنقوها أن الإسلاميين هم بديلٌ لنظام يظنّونه رغم استبداده علمانيًا تقدّميًا حتى يتموضعوا دفاعًا عنه أو حيادًا تجاه جرائمه. وفيها أيضًا أتباع “نظريّات المؤامرة” وهم كثر، ويفسّرون العالم بوصفه مجموعة مكائد تقع في مصيدتها شعوبٌ بأكملها” (3) انتهى الاقتباس.

(4)

تعقيبا على ذلك يُمكن القول

أ- لا شك في أنّ الثورة السورية وجَدت أوضاعًا دولية وإقليمية غير مواتية؛ لأسباب تتعلق بتغيرات السياسة الأميركية في عقب خيباتها في أفغانستان والصومال والعراق وليبيا، وتغيرات في السياسة الدولية عمومًا. ولكن لنتذكّر أن فشل السياسات الأميركية في أفغانستان والصومال والعراق وليبيا قبل الثورة/ الحرب السورية، لم يقابله نجاح لهذه الدول، وازدهار في مجتمعاتها، وليس بالضرورة أن يكون في ذلك مؤامرة أو سياسة أميركية مقصودة.

ب- إنّ مفهوم الشعب السوري -بحدّ ذاته- ملتبس ويحتمل تفسيرات متعدّدة، يمكن وصف (الشعب السوري) بضحيّة (النظام السوري)، وحليفه الإيراني والروسي، في حدود معيّنة، لكن لنتذكر أنّ السوري هو -غالبًا- من كان يقتل السوري، الشعب السوري كان يُقاتل نفسه ويتقاتل مع بعضه، لم تكن السلطة السورية مفصولة عن، أو ضعيفة الارتباط، بالشعب السوري، كانت السلطة السورية تتمتع بحاضنة قوية لها في جزء من مجتمعات الشعب السوري؛ لدوافع ولاء طائفي أو منفعي اجتماعي اقتصادي، أو بدافع الخوف من التغيير، حاضنة لم تجد السلطة السورية صعوبة في تحشيدها لقمع الثورة السورية. وهذا أمر متوقع وكثير الحدوث في الثورات، ولا يفضّل مقاربته على طريقة الذمّ والتخوين. ما قصدته هو تجنّب الوقوع في مطب تبسيط الثنائية التقابلية (سلطة/ شعب) أو (سلطة/ ثورة) والبحث عن المتشابه في المختلف، والمختلف في المتشابه بينهما، ما قصدتهُ التدقيق في استخدام مصطلح “الشعب السوري” عند دراسة وتفسير الظواهر السياسية.

 

الهوامش

[1] عشرة أسئلة لزياد ماجد حول الثورة اليتيمة، موقع نيو، https://www.now.mmedia.me/lb/ar/10questionsar/536194

[2] “سورية الثورة اليتيمة”، زياد ماجد، دار شرق بيروت، 2013

[3] عشرة أسئلة لزياد ماجد حول الثورة اليتيمة، موقع نيو، مرجع سابق.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق