أدب وفنون

ابتسام شاكوش بين الخيام

ابتسام شاكوش، الكاتبة السورية المهجَّرة من مدينة اللاذقية، قد آلت على نفسها ألا تغادر المخيم.. أن تبقى في جنباته تعيش أحزانه وأوجاعه، وألا تترك القلم للتصور والتخيل، فبئس الكتابة التي لا تمتح من الواقع! وبئس الكاتب الذي لا يترك شيئًا من روحه في أثناء سطوره، وداخل مفرداته.. وأنى للصدق أن يكون حليف الروح إن لم يجد في واقع قهر المواطن السوري سبيلًا وحيدًا للتخفيف من أوجاع الناس وهمومهم، هكذا اختارت كاتبة المجموعة القصصية ابتسام شاكوش، أن تعيش حياة مواطنيها مثقفةً عضوية، على حد تعبير غرامشي، وفي الوقت نفسه، أن تتيح لقلمها حرية الرصد عن كثب، ليمتح من فيض تلك الآلام ما أمكنه إلى ذلك سبيلًا..

بداية؛ لا بد من الإشارة إلى أن ما جرى في سورية -ولا يزال يجري- فوق أيِّ تصوُّر أو خيال، إذ لا بد لأي كاتب يخوض هذا المجال، من أن يعد للمئة بدل العشرة، قبل أن يباشر هذا الشأن السوري السوريالي!

تساءلت وأنا أتصفح مجموعة القاصة والروائية المخضرمة ابتسام شاكوش “بين الخيام” عما إذا كانت هذه المجموعة تنتمي إلى فن القصة، أو أنها تبقى في إطار الحكايا، وبخاصة بعد أن أتى مبدعو هذا الفن، في الزمن الأخير، من تحديث وإضافات في شكل القصة، إلى درجة أن بعضهم أبعدها عن أصولها الحقيقية، أو لعله جعل منها، في الإطار العام، جنسًا أدبيًا جديدًا أو كاد. على أي حال، لست الآن في مجال الحديث عن القصة القصيرة المعاصرة، وجمالياتها المستحدثة. فأنا أمام مجموعة جديدة عنوانها “بين الخيام”.

في الحقيقة لم أعثر على جواب محدد لتساؤلي.. بل بقيت منشغلًا في القراءة، قصة بعد أخرى وحكاية إثر حكاية، غارقًا في فيض أحزانها الإنسانية التي يرسمها تتالي السرد الحكائي، تعصر روحي مشاهد الآلام التي تصورها مفردات القص، إذ تدخلني -بوصفي قارئًا- في عمق المأساة السورية التي عشت جوانب منها، كمعظم السوريين. بقيت على تلك الحالة إلى أن انتهيت من المجموعة كلها، لأصل في النهاية إلى نتيجة محددة، هي: على الأدباء السوريين أن يعنوا، في هذا الوقت بالذات، بنقل حوادث الواقع بيسر وبساطة، ودونما إجهاد لأنفسهم في البحث عن أي تزويق مما يعرفه علم بلاغة اللغة العربية. فما هو في الواقع أكثر بلاغة مما يسعى الأديب لصوغه على الورق، وإيصاله إلى أذهان الناس وأرواحهم، وما في الواقع، كذلك، صور هي الأدب في أعلى تجلياته، إذا كان الأدب، في أحد تعريفاته، هو مما يضع المتلقي، ذهنًا وروحًا، في برزخ بين المعقول واللامعقول بين الحقيقة والخيال، بين التصديق والتكذيب.. نعم هو ذا الأدب ولعل التزويق هنا والاشتغال على اللغة وغيرها يفسد الوقائع ويشوه صورة الأحداث ويبعد المتلقي عن وحشية الجرائم والمجرمين.

نعم؛ هكذا جاءت قصص ابتسام شاكوش “بين الخيام” محافظة في إطارها العام على جوهر الحكاية.. الحكاية في شكلها الواقعي المعهود في ذاكرة معاصري هذا النوع من الفن ومبدعيه في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. فهذه القصص لا تمتح من الواقع فحسب، بل تصوره بعدسة دقيقة، تأتي على تفاصيل أحداثه الخارجية عابرة، في أحيان كثيرة، إلى ما تتركه تلك الحوادث من شروخٍ في نفسِ من يعيشها أو تاركة للمتلقي حرية الاستدلال والتقصي. وهذا لا يعني –إطلاقًا- أن القاصة لم تلوّن قصصها، في أحيان كثيرة، بالخيال وبرسم الصور الأدبية في بعض قصصها، تأثيرًا في مشاعر القراء وعواطفهم، كذلك لا يعني أنها لم تلتفت إلى خواتيم قصصها، وتحسن رسم المفاجأة والإتيان بالدهشة التي تعطي القصة لمعتها..

وإذا كان لي أن أفصِّل في قصة واحدة من قصص المجموعة، فإنني سأختار قصة “دمية على الدرب” التي تستعرض آلام الهجرة والمهجرين من خلال تصوير التناقض الصارخ بين حالتي التعب والألم من جهة، وبين الراحة والفرح من جهة ثانية. تبرز الكاتبة ذلك من خلال تناوب عدد من الأطفال، ذكورًا وإناثًا على حمل الدمية، ثم تركها من التعب، وعلى الرغم من أن الدمية لطفلة لا لطفل إلا أنَّ أحمد قد حملها، إذ يريد إعطاءها لأخته، وأخته -كما أفهمته أمه- في الجنة!

إنها ليست أكثر من حكاية صغيرة تمزج ما بين عالمي الكبار والطفولة. فالدمية التي يشاهدها كثير من الأطفال، على جانب الطريق المشغول بالأسر السورية المهجَّرة، ويرغبون في اقتنائها، ويحملونها بالفعل، لا يستطيعون الاستمرار في حملها؛ إذ إنهم وأهلهم غير قادرين أن يحتملوا مشقة خطوهم، فكيف بهم حمل أشيائهم الصغيرة. إنها الحياة القوية التي تدفع كثيرين أحيانًا للتخلي عن كل شيء في سبيلها!

تتناوب القصص بين تصوير رحلات القهر والتهجير، وصور القتل العشوائي الذي غالبًا ما تكون ضحاياه من بسطاء الناس، كذلك فإن النصوص، في مجملها، تدخل إلى كثير من تفاصيل حيوات الناس التي استبدلت بها الحرب تفاصيل أخرى، مكرهة الناس عليها. وتأخذ الطفولة حيزًا واسعًا من المجموعة، كذلك تأخذ المرأة نصيبًا ملائمًا. فمن قصة “دمية على الدرب” إلى “أم حسن” إلى “النازحة” و”ثوب فاطمة”، وغير ذلك، تتناثر الحكايات، منداحة في أثنائها مأساة السوريين دمًا وخرابًا وتشردًا وفقرًا وافتقارًا إلى سبل الحياة الطبيعية، وإن بأبسط صورها، وحسبُ الكاتبة تصوير ذلك..

 

الجدير بالذكر أن مجموعة “بين الخيام” تضم خمس عشرة قصة، وتقع في اثنتين وستين صفحة من القطع الصغير، وصدرت عن دار نون4 في غازي عينتاب عام 2016.

مقالات ذات صلة

إغلاق