مقالات الرأي

سورية بين روسيا وإيران… الأمس واليوم

إن تأمّل الدورين: الروسي والإيراني في سورية اليوم، وتشابه “سياسة” النظام في التعامل مع الشعب السوري بسياسة الأمس المتبعة في ثمانينيات القرن الماضي، تحرّض العقل على إعادة النظر في جميع المسلمات التي نعرفها عن تاريخنا السياسي، وعلى رأسها طبيعة العلاقة بين النظام وإيران، من جهة، وبين النظام والاتحاد السوفياتي سابقًا وروسيا اليوم، من جهة ثانية.

تقول لنا الوقائع التاريخية إن الثورة الإيرانية انتصرت عام 1979، وهو تاريخ بدء أزمة النظام السوري مع داخله الذي انفجر في أزمة الثمانينيات، وهي الثورة التي اتخذ بسببها نظام الأسد موقفًا معارضًا للإجماع العربي الذي وقف ضد إيران التي أعلنت منذ يومها الأول عن استعدادها لـ “تصدير ثورتها”، ليتعاضد التعاون ويتقدّم طردًا، إذ كانت الساحة اللبنانية التي ولد فيها حزب الله برعاية إيرانية واحتواء سوري، إحدى ثمرات هذا التعاون الذي نحصد مره اليوم. إلا أن التاريخ، أو المعروف منه، لا يقول لنا إن كانت إيران ساعدت نظام الأسد الأب في قمع شعبه في ثمانينيات القرن الماضي، كما تفعل اليوم، خاصة أن المعروف عن الأسد الأب أنه كان يضع حدودا للتدخل الإيراني، وله حساسية خاصة من كلّ من يقترب من الداخل السوري الذي سوّره بعناية!

إنّ مقاربة الأمر لجهة العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، تكشف زيف مقولة “حرج” الأسد من أن يعبث أحد ببستانه الداخلي، إذ طالما كان الروس متواجدين كخبراء في كافة قطع الجيش السوري، وكانت قاعدة طرطوس أحد ارتكازاتهم، كما كانوا السند الأساس لنظام الأسد في وجه خصوم الداخل والخارج على السواء، ما يعني عمليًا أن الأسد الأب ليس له أي حساسية من أي تدخل خارجي حين يتعلق الأمر بحماية نظامه، وهو الأمر الذي (ربما) لم يكن متأكدًا منه من الإيرانيين، خاصة أن “تصدير الثورة” والطائفية التي تقدّم نفسها بها، تفصح عن مشروع قادر على ابتلاع نظام الأسد ومرتكزاته، في حين يبدو واضحًا أن العلاقة مع الروس تترك للنظام هامش أوسع في الساحة الداخلية، فما يريده الروس ضمان مصالحهم لا غير، في حين ما يريده الإيرانيون سورية كلها.

إلا أن ما لا نعرفه، إن كان الروس شاركوا فعليًا في إدارة الأزمة على الأرض إلى جانب النظام في ثمانينيات القرن الماضي أم لا، إذ من المؤكد أنهم قدموا المشورة والنصيحة والخبرات والتدريب والتقنيات، دون أن نعرف ما إن كان تعدّى الأمر ذلك أم لا.

إذا اتبعنا مبدأ المقايسة، يمكن قراءة الدور الذي لعبه الروس في مساندة النظام (جزئيًا) في لبنان مؤشرًا أولًا، ويمكن القول إن الاتحاد السوفياتي ما كان ليقبل -في أي شكل من الأشكال- بدخول “سورية الاشتراكية” محور “الغرب الرأسمالي”؛ حتى لو هدمها فوق رؤوس ساكنيها، كما فعل في أفغانستان، وهو ما يمكن عدّه مؤشرًا ثانيًا، ويمكن النظر إلى طبيعة النظام السوفياتي الشمولية والقمعية والاستئصالية ضد الشعوب السوفياتية أولًا، حتى ندرك أنها لن تتورع عن استخدام أمر شبيه بشعوب أخرى حين تجد مصلحة لها في ذلك، وهو ما يمكن عدّه مؤشرًا ثالثًا. إلا أن المؤشر الأهم والأكثر دلالة، وقد يعطي فكرة واضحة عن الدور الذي كان الروس قد بلغوه في سورية، هو ما قاله الملحق العسكري الروسي، الفريق “فلاديمير فيودوروف، لقناة روسيا اليوم ضمن برنامج “رحلة إلى الذاكرة“، إذ تحدث عن أن الروس هم الذين اقترحوا على الأسد الأب تهيئة بشار للعب دور قيادي في سورية، وتحدث عن وجود “مجلس علوي أعلى في سورية”، ما يوضح أن ما نعرفه عن حدود الدور الروسي في سورية قليل جدًا، وما يحتّم علينا إعادة القراءة مجددًا لفهم آليات تشكل النظام وأسباب صموده وسر بقائه منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم، إذ تبدو العلاقة وكأنها غارقة في بحر من الأسرار على الرغم من وضوحها، إذ واضح جدًا أن سورية طالما كانت حليفًا استراتيجيًا لروسيا وأنها أحد أسواق السلاح الروسي في الشرق الأوسط (من فترة ما قبل الأسد)، في حين أن الأسرار تكتنف كل الباقي من العلاقة، على الرغم من أن كلام فيودوروف يمكن أن يقرأ بطريقة تقول إن الروس كانوا يديرون كل شيء في سورية من خلف الكواليس، ما يعني أننا أمام “الأخ الأكبر” الذي يقرر ما على الأخ الأصغر فعله، وحين يعجز الأخير عن إدارة الأمور بيديه، يتقدم مضطرًا إلى ساحة الفعل، فهل هذا ما حدث فعلًا مع الثورة السورية حين عجز النظام عن إخماد أصوات السوريين المطالبة بالحرية؟

ولكن لماذا فهم هذا الدور يبدو مهمًا؟

لأن أحد أسباب القوة هي المعرفة، أن تعرف عدوك، آلية تفكيره، من يقف إلى جانبه، إلى أي حد هو مستقل، فتفاوضه، أو تذهب نحو مفاوضة داعمه وحاميه، وإلى أي حد يمكن للداعم القتال إلى جانبه.

مسار الثورة ومآلاتها التراجيدية والمفاجأة بالتدخل الإيراني أولًا، والروسي ثانيًا، هي في أحد جوانبها نتاج ضعف المعرفة هذا، ضعف المعرفة بالنظام وحدود ارتباطاته أولًا، وضعف المعرفة بالآليات الحاكمة لهذا الحلف الممتد من بكين إلى دمشق (مرورًا بطهران وموسكو) ثانيًا، إذ يُدرك هؤلاء جيدًا أن انفراط إحدى حلقات “مسبحتهم” يعني سقوطهم جميعًا، وهذا ما يجب التفكير فيه اليوم، أي: قراءة الثورة السورية وقوتها ضمن هذا المسار.

مقالات ذات صلة

إغلاق