اقتصاد

رصيد النظام المتضخم واقتصاد البلاد المتدحرج

ثمة أجزاء من البلاد لم يأت التدمير على أبنيتها وبنيتها التحتية، فبعد نهبه ثروات البلاد، اتبع النظام سياسة الأرض المحروقة التي ألحقت خلال السنوات الست الماضية، خسائر بالاقتصاد السوري قدرت بثلاثمائة مليار دولار كحد أدنى، وملايين الضحايا والمهجرين بوصفهم قيمة إنسانية لا تقدر بثمن، فيما أبقت تلك الأجزاء في معظمها مناطق نفوذ للروس والإيرانيين، مثل الموانئ والأراضي والعقارات وحقول النفط والغاز والفوسفات، ثمنًا لقاء حمايتهم رئيسه، الذي ما انفك يؤكد أن عائلته لا تملك البلاد، وإن وراثته الحكم هي من باب المصادفة.

المناطق التي لم يدمر فيها الحجر، استنزفت طاقاتها البشرية، وبلغت قيمة شهيد النظام فيها ليس أكثر من رأس ماعز أو مئة دولار، تعطى كتعويض لذويه ثمنًا لحزنهم، فهم كغيرهم من السوريين بنظر النظام، سلعة لا يحددها سوق العرض والطلب، بقدر ما هو يحدّد قيمتها، في حين يدفع زعيم ميليشيا محتلة مثل “حزب الله” آلاف الدولارات لأهالي قتلاه، وكذلك يفعل الإيرانيون والروس.

يشير تقرير أعدته كل من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الاسكوا)، وجامعة سانت اندروز في نيسان/ ابريل الماضي إلى أن عدد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر تضاعف 3 مرات تقريبًا منذ اندلاع الحرب قبل 5 سنوات، وخلص التقرير إلى أن “نحو 83,4 في المئة من السوريين يعيشون الآن تحت خط الفقر مقارنة بـ 28 بالمئة في عام 2010.

في حين تراوح معدل البطالة بين 52 في المئة، و80 في المئة، فيما ارتفعت أسعار المواد الأساسية لأكثر من 500 في المئة، وتجاوزت ذلك بكثير في المناطق المحاصرة. وفقدت الليرة السورية نحو 90 في المئة من قيمتها أمام الدولار، وتراجع إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 75 في المئة، أي خسر الاقتصاد المحلي أكثر من250 مليار دولار حتى عام 2015، في حين قدّرت مصادر متطابقة ثروة بشار الأسد التي نهبها من البلاد بنحو 122 مليار دولار أميركي.

عملية الإتجار بثروات البلاد وطاقاتها ونهبها من قبل النظام، ليست جديدة أو طارئة، فقبيل الثورة كان أسعار السلع الأساسية ترتفع بشكل متسارع، وتفاقمت أزمة البطالة، واتسع الفقر، وتدهور المستوى المعيشي لفئات واسعة من سكان البلاد.

بين شهري حزيران من العامين 2010 و2016، وصل إجمالي معدل التضخم إلى 660في المئة بحسب بيانات نقلتها وسائل إعلام النظام، ما يعني تدهور القيمة الشرائية لليرة، إلى درجة أصبحت معها الرواتب التي يتقاضاها الموظفون لا تكفي لشراء الخبز وحده، في حين يعزو مختصون أسباب التضخم الرئيسة، إلى ارتفاع أسعار المشتقّات النفطية، وعلى رأسها المازوت، والذي أدّى حينها إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار جميع السلع والخدمات.

لكن النفط، ليس كأي سلعة متداولة، إذ إن التنقيب عنه كما الآثار والذهب، وتسويقه أيضًا يخضع لمعايير خاصة وشديدة السرية، غير أن المفاجأة كانت مع إنكشاف البلاد وسيطرة تنظيم الدولة “داعش” على حقول النفط، حيث ظهرت حقائق عن النفط السوري، الذي كانت تعود عوائد بيعه على مدى عشرات السنين حصرًا إلى العائلة الاقتصادية للنظام، ولدوافع سياسية وإقتصادية معروفة فإن سيطرة “داعش” على النفط في المناطق الشرقية من البلاد، بنظر النظام، كان أفضل بالنسبة له من أن يسيطر الثوار عليه، فالنفط الداعشي هو كالنفط الأسدي، وصفقات النظام مع “داعش”، بحسب ما كشفت عنه صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية، بلغت قيمتها نحو 40 مليون دولار شهريًا، وهذه الصفقة ساعدته في بيع النفط الذي يستخرجه من آبار النفط الواقعة تحت سيطرته في شرق سورية.

اقتطع النظام أجزاء من ثروات البلاد، وقدمها لإيران وروسيا، الامر جعل البلاد في حال من التبعية السياسية، تتيح لروسيا خصوصًا، التفرد أكثر في رسم مستقبل البلاد، من خلال إمساكها بالملف السوري، والعمل بشكل أو بأخر، على توسيع دائرة اعتراف أكبر عدد ممكن من السوريين بوجودهم على رأس مناطق نفوذهم، وهو ما تعمل عليه من خلال ضمّ منصات سابقة تحسب على المعارضة، أو جديدة قريبة من تلك لطاولة الحل الذي تقول إنها تسعى إليه.

تحتاج روسيا إلى قوة عسكرية تحمي غنائمها في البلاد، ولا يمكنها الاعتماد في ذلك على جيش النظام المتهالك، سيما بعد عزوف الكثيرين عن الإلتحاق به، بعد فقدان عشرات ألاف الشباب في الحرب، وهي حاولت ذلك من خلال ما أسمته “الفيلق الخامس” لكنها فشلت، ولا يمكن لها إلا الاعتماد على قوة إيران من الميليشيات التي استجلبتها من دول مختلفة، ولهذا فهي ستتقاسم الغنائم معها، ما يكمل العملية التشاركية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، خاصة في ضوء الإتفاقات الموقعة مع النظام، وتتضمن استثمارات بعيدة الأمد لشركات روسية وإيرانية.

روسيا وإيران لا تتقاسمان فقط مناطق نفوذهما ومصالحهما في الأجزاء التي يسيطر عليها النظام، بل هناك أجنحة في هذا النظام تتبع لكل منهما، وليست بالضرورة أن تكون متضاربة، لكن طهران وموسكو ستعملان على توسيع مساحات نفوذهما بشكل أكبر في أكثر المناطق حيوية، خاصة تلك التي مازالت تخضع لسيطرة المعارضة، وإن سياسة ما يسمى بالمصالحات المتبعة تعكس تدحرج عملية التوسع تلك، وهي بكل تأكيد تأتي على حساب مصالح السوريين، ولا تشكل إلا معادلة “المصالحة مقابل الإبقاء على الحياة “.

يطمح السوريون من مختلف التوجهات، لإنهاء الحرب، على عكس النظام، فهو لا يرى مصلحة له إلا في إبقائها مستعرة، وقد ضمن حماية له من روسيا وإيران، ولم يعد مهددًا بالسقوط، وحالة الحرب في ضوء اختلاف الموازين في نظره، تُمكنه من استعادة سلطته، وإن كانت شكلية على مناطق أخرى، تكون استثمارًا مضافًا بجميع طاقاتها، ونهاية الحرب أيضا بالنسبة للنظام، تعني الانتقال إلى حالة سلمية تنكشف معها جميع الأوراق التي يغطيها دخان الحرب، خاصة بالنسبة إلى مؤيديه الذين انهكتهم السنوات الست الماضية، بحيث سيكون ذلك متلازمًا مع تبريد الجراح وإحصاء الخسائر، ولا سيما البشرية منها، والزامه بتعويضات غير تلك التي يدفعها في حالة الحرب، التي حشد لها تحت شعار اقتصاد الحرب وكل شيء للمعركة ضد الإرهاب والمؤامرة الكونية.

لا موارد في البلاد ولا ثروات كافية يدفعها النظام للسوريين، هذا إن أراد ، فمعظمها بات بيد الروس والإيرانيين والمافيات الاقتصادية التابعة للنظام، وليس في وارد أن يعطي تعويضات للموالين له، من أرصدته التي راكمها طوال حكمه، في حين تظهر الحالة السلمية أثقل عبئًا على نظام جعل البلاد مزرعة للعائلة، وهو -من ثم- سيسعى بكل جهد إلى إبقاء قضية الحرب على الإرهاب مستعرة إلى أمد بعيد،  كما قضية الصراع مع اسرائيل، بحيث يتكيف معها السوريون، وتلتئم جراح من تبقى منهم  بحكم الزمن، وتدعمه في ذلك إيران بشكل رئيس، فهي تروج لمصالحها الاقتصادية من خلال فكرة الحقوق الدينية التاريخية في المنطقة، فيما يزداد عدد الذين يعولون على الموقف الروسي.

تعمل الدبلوماسية الروسية بنشاط، ولا سيما بعد إعلان موسكو الثلاثي ومفاوضات أستانا المنبثقة عنه، في محاولة لإقناع السوريين بأنها ليست قوة احتلال، وتسعى من أجل ذلك في إقامة روابط ومد جسور مع السكان في المناطق التي تخضع لنفوذها، كما في غيرها، من خلال قيام ضباطها بتوزيع سلال غذائية، أو رعاية مركز حميميم لمصالحات متفرقة، وأيضًا الضغط من جانب آخر لتوسيع مشاركة مؤيدين لها في وفد المعارضة، الذي سيقوم بالتفاوض مع النظام في جنيف، لكن الكثير من السوريين الذين فقدوا أبناءهم بالقصف والتوحش الروسي، لن يقبلوا إلا أن يكون رئيس النظام موضوعًا للتفاوض، وهو التنازل الذي يمكن أن تقدمه روسيا، ودون ذلك فإن دماء السوريين تبقى شاهدًا على جرائمهم وجرائم إيران وميليشياتها، ولن يمحوها الزمن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق