أدب وفنون

زين.. الضوء

أحببت زين كولد من أولادي. شاهدته أولّ مرة طفلًا رضيعًا في أشهره الأولى. كان ذلك أواخر السبعينيات. كنت أقطع ساحة “برج الروس” على عجل، حينما فوجئت بسعاد ذلك المساء الدمشقي، وهي بكامل زهو أمومتها. تجرّ عربة أطفال على مهل. تكثّفت في تلك اللحظة على وجهينا تعابير الفرح والشوق والخوف والانتظار…

قالت وبريق الحزن يشعّ من عينيها: هذا زين!

اقتربتُ من العربة. تأملتُ الوجه الطفولي المسترخي في نومه الملائكي. خانتني اللغة المرتبكة في التعبير عن مشاعري. التقطت سعاد ما يعتمل في داخلي. حاولت أن تخفّف عنّي. تفهمت اعتذاراتي، وشعوري بالذنب والتقصير…

تركّز كل همّها على الخوف من اعتقالي، واللحاق بزوجها والآخرين. كلما طالت دقائق اللقاء، كلما تضاعف قلقها.. كانت حاملًا بزين، حينما اعتقلوا زوجها سامي، الذي لم يرافقها في لحظات المخاض، ولم يشاهد زين وهو يشهق شهقته الأولى.

حاولت إقناع سعاد أن نلتقي ثانيةً، لكنها رفضت بشدّة؛ خوفًا عليّ. بأصابع مرتبكة أخرجت مبلغًا متواضعًا. وضعته بالقرب من رأس زين، متوسلًا أن تشتري له هدية مولده، ثم غادرتهما مسرعًا، ومشاعر متناقضة تنهش روحي!

زين اليوم رجلٌ قويٌ، ناضجٌ. متزوج ولديه طفلان. لم يكن يهتم بالسياسة قبل أن تدق الثورة طبولها. فجأةً بات الشأن العام خبزه اليومي. كأنه استيقظ هو وكل أبناء جيله، بصورة مباغتة على الحقيقة المروّعة في البلد، التي تغافل عنها الجميع. حقيقة الاستبداد والإذلال، والقنوط من إمكانية التغيير. بغتةً لكأن ما كان مستحيلًا، أصبح ممكنًا مع هدير الحناجر التي هتفت: “الشعب السوري ما بنذل”. إنه الحلم.

دعاني مع والده إلى سهرة في بيته، كي نلتقي مع عدد من أصدقائه. كانت رغبته أن يجمع بين جيلنا الذي عاش تجربة الثمانينات، واكتوى بنارها، وجيلهم من الشباب؛ “دينمو” الثورة، ومفجّرها، الذي أمسى ظهره إلى الحائط، بعدما لاحت رياح السموم، تهبّ من كل الجهات!

كان هامش الحركة ما برح ممكنًا في دمشق، على الرغم من دخول الثورة عامها الثاني. ومع ذلك؛ كان سامي يصرّ عليّ النوم في بيته القريب من بيت ابنه، لأن الطريق إلى بيتي بات في دائرة الخطر. كل يوم نسمع قصةً من هنا وهناك، عن اختطاف شخص، أو اعتقال آخر على الحواجز….

وضعت زجاجة عرق “الريان” التي أحضرتها معي على مائدة في مدخل البيت، وسألت ندى زوجة زين المحبّة: مسموح التدخين؟!

ردّت ضاحكة: الأولاد ناموا في غرفتهم، والنوافذ مفتوحة. خذوا راحتكم. معظمنا يدخن.

كان بين الحاضرين: حمادة التلاوي وزوجته، وهي بريطانية والدها من أصول فلسطينية.. وعُلا شابّة من درعا، مثل نخلة باسقة. ترتدي حجابًا لم يحجب تفتح عقلها، وقوة حضورها. وعمورة الممثل المسرحي الشاب. الساخر، المليء بالمرح والمشروعات الطموحة، وجوني الطيب وزوجته اللطيفة كاتيا. شباب وصبايا بعمر الورد، لكلّ منهم مشروعه الطموح في الحياة. هم بدؤوا للتوّ يشقون طريقهم بنجاح، على الرغم من الصعوبات. فرحهم غامرٌ بالثورة، وأحلام التغيير، إلاّ أن قلق الأسئلة بدأ يتسرب إلى نفوسهم، مع تصاعد عنف النظام، والعنف المضاد الذي بات يحتل المشهد.

كان التحضير للسهرة بجمال السهرة ذاتها. الحيوية والحب، والإقبال على الحياة، هي الدوافع الخفية لصنع الفرح، على خلفية أصوات القذائف التي تزرع الموت والدمار. راح سامي يستمتع في صبّ العرق بروح احتفالية، أضفت على الجلسة جمالية رائعة.

تذكرني هذه السهرة بشبابنا. قلتُ. علقت ندى: بعدكم شباب عمّو! قلت: “شباب!!” هي فعلًا الكلمة الملائمة. أقصد: روحكم حلوة. روح شباب عمّو. ردت وضحك الجميع.

أقلعت السهرة، وتشعب الحوار. كان زين ساخطًا على الدور السلبي، لبعض رجال الدين المسيحيين، الذين انحازوا إلى جانب السلطة، فيما راح آخرون يدعون إلى التزام الهدوء والحيادية، والحذر من جرّ الطائفة إلى أتون الصراع الذي يهدّد “مسيحيي الشرق”.

علّق عمورة: شيوخ العقل عندنا أكثر حكمةً. بعضهم دعا إلى النأي بالنفس، لكن على الأقل ظهر من بينهم من وقف في وجه السلطة. أضاف ساخرًا: “أني يا عمي مع الثورة حتى نخلص من شعور (الأقلية). أني مواطن يا عمي، مش أقلية ”

قال زين: الأمر أبعد من ذلك. كيف يمكن لنا، أو لكم، أو لكل من يسمونهم ” أقليات” أن يقفوا على الحياد، وكأنهم ليسوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع. يعانون ما يعانيه الجميع من عسف السلطة واستبدادها. كل من يرفع رأسه لا توفره السلطة، بغض النظر عن انتمائه. هي فقط تدقّ أسافين بين المكونات كي تفرقهم عن بعضهم. أنا لا أقول ذلك لأن والدي دفع ثمانية عشر عامًا من عمره في المعتقل، بسبب رأي معارض، وإنما لأن ذلك هو حقيقة سلطة الاستبداد التي لا ترحم أحدًا.

كانت زوجة زين تصغي للحوار باهتمام، وتسرّب في تعليقاتها الجانبية بحذر: خوفها من اندفاعات زوجها، وحدة مواقفه.

قلت لزين: المشكلة أن النظام نجح في ترهيب المسيحيين، وغيرهم من الطوائف التي يسمونها (أقليات)، كي يحرف الصراع عن كونه صراعًا بين الاستبداد والمجتمع، إلى صراع طائفي ومذهبي. ساعدته ممارسات القوى التكفيرية في الوصول إلى أهدافه.

تشعبّ الحديث باتجاهات مختلفة. فهمت من السياق أن “عُلا” تعرضت لتجربة اعتقال قاسية، قبل أن تغادر درعا وتستقر في دمشق، كي تبتعد عن الأنظار هناك. الثنائي جوني وزوجته كانا نسخة شبيهة بزين وزوجته. الشاب مندفع. يحلل الأحداث، ويلقي بالمسؤولية على النظام في تفاقم الأوضاع، فيما تلتزم زوجته جانب الحذر، الذي يشي بالخوف.

كان زين يغلي من الداخل، لكنه يجهد في ضبط انفعالاته. ينتقي كلماته بدقة، كي لا يجرحني.

قال: بتعرف عمّو. أنا أحترم تجربتك أنت والبابا ورفاقكم. كثير من شباب “التنسيقيات” كانوا يعوّلون عليكم. لكن يؤسفني القول: أنكم خذلتمونا، حينما كنا في أمس الحاجة لخبرتكم. أغلبكم تردّد، أو تنحى عن المشهد، أو لاذ بالصمت. لماذا؟!

أضاف: لا أقصد مشاركتكم في بعض الحوارات الجانبية هنا، أو هناك، بل فعاليتكم الجدّية في الثورة. التي لم تكن على مستوى الحدث.

قلت بأسىً: ليس لأمثالنا بعد أن تفاقم العنف، سوى أن يتنحى جانبًا، وينضم إلى الأغلبية الصامتة. السيل جرفنا مع من جرف. كنت من البداية ضد العنف، وحمل السلاح، لأن العنف لن يجرّ سوى إلى مزيد من العنف.

هل تذكر يا زين حالة الغضب التي اجتاحتك، حينما نبهتك إلى خطورة عسكرة الثورة، بذريعة حماية المتظاهرين المدنيين؟! قلتَ حينذاك بعصبية: ماذا نفعل أمام توجيه النظام رصاصه القاتل إلى الصدور العارية للمتظاهرين السلميين. وذكرتني “بغياث مطر” الذي قدمّ لجنود النظام الماء والورد، فاختطفوه. وعذبوه حتى الموت، ومن ثم مثلّوا بجثته…

قلت لك: لأنهم شعروا أنه أشدّ خطرًا عليهم من حاملي السلاح. النظام دفع دفعًا باتجاه عسكرة الثورة، وللأسف نجح. لا نختلف حول مسؤولية النظام الأولى، عن دفع الأمور إلى ما آلت إليه، لكن خلافنا كان حول أساليب الرد، والخطورة الناجمة عن الانجرار إلى ملعب النظام، إذ يمتلك كل الأدوات لإجهاض الثورة، وتحويلها إلى حرب طائفية شرسة. طبعًا القوى الخارجية ليست بمنأى عن الصراع، بل استثمرت ذلك بدعم مجموعات مسلحة تنفذ أجندتها، على حساب دماء السوريين، وأشلائهم.

بعد أربع سنوات على اللقاء:

– اعتُقلت علا مرةً أخرى، وانقطعت أخبارها نهائيًا.

– استشهد جوني وزوجته بقذيفة عمياء سقطت فوق سيارته.

 

– داهم الأمن مبنى الجامعة، واعتقلوا حمادة المعيد في الجامعة. سافر مع زوجته البريطانية إلى لندن، فور إخلاء سبيله بعد ستة أشهر.

– بعد تجربة اعتقال مريرة. أضاف عمورة الى خبرته التعامل مع “القمل والجرب” الذي استوطن في جسده.

– غادرت وسامي البلد، وأصبحنا لاجئين.

– أصرّ زين على البقاء في البلد، ومواصلة نشاطه متخفيًا إلى أن انقطعت أخباره.

مقالات ذات صلة

إغلاق