أدب وفنون

رائد وحش: “مشاة نلتقي.. مشاة نفترق” نصوص شعرية ولدت من التفاعل الإنساني مع الثورة

  • علاقتي بدمشق تدهورت كثيرًا بعدما تحولت إلى مدينة مفقودة
  • صورة المخيم الفلسطيني حُنطت في صورة نمطية
  • إن أدبًا لا يُعنى إلا بالحب والسلام ليس إلا نصًا دينيًا

 

صدر أخيرًا، عن “منشورات المتوسط” في ميلانو، كتاب «مشاةً نلتقي.. مشاةً نفترق» للشاعر الفلسطيني السوري رائد وحش، الذي استهله بقصيدة موزونة عنوانها «فاتحة»، بينما تقوم بقية الديوان على قصيدة النثر، وينقسم إلى أربعة أقسام: «شوارع تسير وحدها»، و«بريد الغرباء»، و«من الغائبين إلى الغائبين»، و«مجرد إيقاعات.. مجرد إيقاعات».

وفي هذه النصوص يطرح “وحش”، أسئلة الحرب والمنفى، على خلفيّة تجربة شخصية عاينت أحداث الثورة السورية اليتيمة، وما ترتّب عليها من آلام وانكسار وفقدان وضياع. وقد بدأها صاحب «قطعة ناقصة من سماء دمشق»، بوصفها مرثيات لشخص غائب، لكنها تحوّلت إلى حوار مع غائبين كثر، سواء في السجون أو في الخطف. وكتب بعضًا من هذه النصوص بلسان شقيقه (محمد)، الذي قتل تحت التعذيب في معتقلات النظام السوري، وكان سؤالها الأساسي هو الموت.

للحديث عن ديوانه الجديد، وعن الكتابة في اللحظة الراهنة، وعن المخيم ورحلة اللجوء والمنفى.. التقت صحيفة (جيرون) بالشاعر الفلسطيني/ السوري رائد وحش، الذي حط رحاله قبل ثلاث سنوات في مدينة “هامبورغ” الألمانية، فكان هذا الحوار:

 

 

لنبدأ بالحديث معك عن آخر عمل صدر لك “مشاة نلتقي.. مشاة نفترق” الصادر عن “منشورات المتوسط” في ميلانو، كيف تقدمه لقراء “جيرون”؟ وفي أي جوّ كتبته؟

يَصْعُب عليّ تقديم نصّ بعد نشره، إذ غالبًا ما يحدث نوعٌ من الطلاق معه. تغادرنا النصوص حين نكتبها، بل إننا نكتبها لكي تغادرنا. عمليًا هذا الانفصال -أو الهجرة، إذا جاز التعبير- يعطي الكتابة شخصيتها المستقلة، ومن ثَمّ؛ القدرة على التحدّث عن نفسها.

مع ذلك، يمكن القول إن “مشاة نلتقي.. مشاة نفترق” نصوص شعرية كُتبت على دفعات، ولم تكن هناك خطة معينة لكتاب. لكنْ كونها ولدت من التفاعل الإنساني مع الثورة، ولاحقًا مع الحرب، ومن ثم اللجوء، فقد جاءت ضمن مناخ نفسيّ واحد، خلق بينها روابط لا مرئية.

وفي المناسبة، أظن أن زمن القصيدة الشعرية المفردة، القائمة بذاتها، قد انتهى إلى غير رجعة، كما سبق وانتهى زمن البيت الشعريّ القائم على الوحدة والاستقلالية، إذ نسفته القصيدة الحديثة التي قامت على الوحدة العضوية. الآن نحتاج إلى هذه الوحدة العضوية في العمل الشعري ككلّ، وليس في النص الواحد فحسب وإلا فإن كتابة الشّعر ستكون عملًا شفهيًا لا يختلف عن المواويل.

كيف تكتب وأنت تشاهد هذا الدمار والخراب الذي يزحف في سورية من كل الاتجاهات؟

هناك نظرة رومانسية إلى الحرب، تجعلها تبدو زمنًا مثاليًا للكتابة أو الحب، وقد أسهمت الأعمال السينمائية في ترسيخ هذه الفكرة اللامنطقية. ففي الحقيقة، يصاب الإنسان بالعجز عن الكتابة خلال العيش في فوهة البركان، كما يصاب بالعنانة الجنسية المؤقتة.

في تجربة شخصية، كتبت قسمًا كبيرًا من كتابي “قطعة ناقصة من سماء دمشق” على وقع القذائف المدفعية التي تدكّ المناطق المجاورة لمنطقة سكني. وقتئذ كنت محاصرًا، في منطقة آمنة من القصف، إلا أنها لم تكن في مأمن من الرعب، لكن حجم الرعب مختلف بين الشخص الذي يتلقى القذائف والشخص الذي يراقبها، ولا نقاش في أن من يتلقاها لن يكون قادرًا على التفكير بأي شيء سوى النجاة.

كانت ترعبني فكرة موت إنسان ما مع حكايته. إنه موت مضاعف، موت مضروب بعشرة. ولهذا لاحقًا صرت أكتب كمن سيموت بعد قليل، وعليه في الوقت المتبقي أن يترك رسالته الأخيرة.

في السابق، قبل زمن الثورة، لم يكن يشغلني سؤال الموت إلى هذا الحدّ، فقد كان جزءًا طبيعيًا من الحياة، يحضر بشكلٍ طبيعي بوصفه متمّمًا وتوأمًا لها، لكنّ الموت السوري الذي نعرف أبالسته، جاء جذريًّا شاملًا لكل شيء: الإنسان والمكان والذاكرة والأحلام والماضي… الموت السوري ضرب الطبيعة، مزّق توازنها، وحوّل الموت إلى نوع من صناعة جريمة.

كان الموت الطبيعي يأخذ الشعر إلى الرثاء، لكن هذا الموت الذي يهين الموت نفسه، يأخذني إلى منطقة غريبة، أصبحُ فيها كاتبَ المرثية والميّت في آن.

 

  • عن اللجوء والمنفى والذاكرة المفقودة..

ماذا تعني لك لحظة الكتابة؟

لا تخرج الكتابة من تلك اللحظة الفيزيائية التي يمسك فيها المرء بالقلم أو الكيبورد، بل تمتد على زمن أوسع يبدأ من الشرود الذي يأخذ شكل غيبوبة، إلى اللهاث المضنى وراء الأفكار، إلى الآلام التي تسببها قسوة تلك الانفعالات. يمتد ذلك على زمن طويل وبطيء، لا تستطيع قياسه إلا بساعة رملية، وما تسميه لحظة الكتابة ليست سوى مخاض وحسب.

الحياة لحظة كتابة يعيشها الكاتب مسرنمًا، في اليقظة كما في المنام، دون صحو أو توقّفٍ، سائرًا في الصور والأخيلة والأفكار.

هل أنت راض عن نوعية إنتاجك الأدبي حتى الآن ولماذا؟

هذا سؤال يُطرح على كاتب وصل منجزه إلى مستوى من الاكتمال، لأنّ إنتاجاته الكثيرة سوف تسمح له بالإجابة دون ادعاء. بالنسبة لي، لا أزال في طور المحاولة، والمحاولة تقف على الضد من الرضا. في الوقت نفسه، لدي حرصٌ وسواسيّ على أن أعمل بطريقة لا توصلني إلى الندم مستقبلًا.

كيف انعكس اللجوء والمنفى على نتاجك الأدبي؟

فرصة التماس المباشر مع الثقافة الغربية تخفف من أثقال الأيديولوجيا التي تربينا عليها، وتدفع باتجاه نصوص ذات طابع إنساني، لكن بمقدار إيجابية هذا الأمر هناك خطورة على الكتّاب المقيمين في الغرب، من جهة أن التركيز على الإنساني المشترك قد يفضي إلى أدب ساذج، ذلك أن أدبًا لا يُعنى إلا بالحب والسلام ليس إلا نصًا دينيًا، لكن من دون أن يكون هناك إله قد أرسله إلى البشر.

من جهة أخرى، لا أعرف كيف انعكس اللجوء والمنفى على الكتابة، ما أعرفه تمامًا هو كيف انعكس عليّ كإنسان. وأظن أن أخطر انعكاس له يكمن في الكوابيس؛ فالأحلام تندفع كالماء في العادة، لكي تغسل العقل، إلا أنها تتحول في حالة اللاجئ إلى كوابيس تشل قدراته العقلية. اللاجئ مثل المُغتصَب، كلاهما نتاج صدمة القهر والعنف وسلب الإرادة، وكلاهما لا يجدان ترجمة لذلك العسف إلا في الكوابيس.

خرجت من سورية منذ ثلاث سنوات، ولا أزال أرى كابوسًا مرعبًا، تتغيّر شخصياته وديكوراته لكن مضمونه ثابت، إذ أرى نفسي مذعورًا أمام حاجز للجيش وقد فقدت بطاقة الهوية. يظهر المشهد كما في الواقع، وفي مرّات أخرى يكتسب ملامح فانتازية، فيتحول الجنود إلى مسوخ. هكذا يتحوّل النوم إلى لعنة يومية!

وعلى قائمة انعكاسات المنفى -أيضًا- هناك النسيان. ثمة تشويش يصيب الذاكرة، فلا يعود المرء قادرًا على تذكر حياته وأماكنه المفضّلة. المنفى ثقب أسود يبتلع الذاكرة. علاقتي بدمشق تدهورت كثيرًا بعدما تحولت إلى مدينة مفقودة، فلم أعد أتذكر صورتها تمامًا، كل ما لدي أطياف فحسب. هكذا صرت متأكدًا من أن من يفقد صورة مدينته سوف يفقد صورته أيضًا.

 

  • بين سحرية الشعر والاشتباك مع الأسئلة الثقافية..

لو قيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟

سأختار ألا أكتب الشعر أصلًا، على أن أكتفي منه بحبّه وقراءته، فهذا الفن بارع في جعلك تعيش في الوهم. دائمًا ما أقول إن الشعر طبع الشخصية العربية باللاعقلانية والعاطفية المفرطة، وربما يأتي الميل الكبير لدى شعوبنا نحو التدين بسبب العلاقة القديمة مع سحرية الشعر. لو كان لي أن أختار لاخترت أن أكون روائيًا، فالرواية فن قادر على النفاذ إلى عمق الواقع، وعلى الاشتباك مع الأسئلة الثقافية.

ما الذي يشغلك هذه الأيام؟ وما عملك المقبل؟

مشغول بأن زحف الخراب إلى سورية قد انتهى، وقد بدأ زحفه منها إلى العالم. فلكوننا نعيش في عالم واحد، حتى لو أصر كثيرون أنه ليس كذلك، تعمل الروابط الكبيرة على جعل الارتدادات أمرًا منطقيًا. ربما سيكون للبلدان التي صنعتْ بدايات العالم (كسورية والعراق بشكل رئيسي) أن تصنع نهايته أيضًا. ليس لأن الأمر قدري، وليس لأن العالم أخذ في الأول، وأدار ظهره في الآخر، بل لأنه ببساطة؛ كما تُعطى الحياة يُعطى الموت كذلك.

لدي عدة مشاريع، لكن ما أعمل عليه الآن هو مجموعة قصص قصيرة عن شخصيات من مخيم فلسطيني في سورية، يضربها تسونامي العنف فينتهون بطرق مختلفة، في مخيمهم أو في مخيمات اللجوء. أصرّ في هذه القصص على إيراد كلمة “المخيم” مع أنها لا تضيف ولا تنقص شيئًا من السياق، لكنني وجدت أن حضورها يتيح لي أن أقول شيئين، الأول تسليط الضوء على المخيم الفلسطيني- السوري الغائب كليًا عن الكتابة الراهنة، والثاني هو التأكيد على جانبه الإنساني، من شجاعة وكبرياء وجنون وخسّة… ذلك أن صورة المخيم الفلسطيني حُنطت في صورة نمطية.

 

الجدير بالذكر أن «مشاةً نلتقي.. مشاةً نفترق» هو الكتاب الرابع شعريًا لرائد وحش (مواليد مخيم خان الشيح على تخوم دمشق عام 1981)، بعد دواوينه: «دم أبيض» (2005)، «لا أحد يحلم كأحد» (2008)، و«عندما لم تقع الحرب» (2012)، وهو الخامس بعد الكتاب السردي «قطعة ناقصة من سماء دمشق» (2015). وقد شارك في عدد من المهرجانات الأدبية في أوروبا، منها مشاركته في مهرجان “برلين الدولي للشعر” في تمّوز/ يوليو الماضي.

مقالات ذات صلة

إغلاق