هموم ثقافية

الافتراق التاريخي

“خللٌ في الشرايين وضغط دمٍ مرتفع، ورثتُ ملامحها والصفات”

محمود درويش

 

جاء دور التحرر من تلك الصفات، وجاء دور الملامح الجديدة. إنه الخلاص من “الزعرنة” الدموية للأنظمة الفاسدة، المتعفنة عبر التاريخ …إنها ملامح القرن الواحد والعشرين وما بعد …انتهاء الاستبداد لأبد الآبدين، من طحالب العُصابية وداعمي القتلة وعصابة الدول الفاشلة…

 

1

الافتراق التاريخي، سمة التطور، وفي ثورات الانتقال العلمي، تتغيّر الخرائط، ويصبح الصراع بين التقدم والرجعية حتميًا، بين أديسون وقصف الطائرات للضوء، بين التكنولوجيا واستحقاقها الفكري، بين صرير العربة، بين الخيال والتشبث بالفكرة الميتة.

الافتراق التاريخي حدث قبل مئتي عام ومئة، وها هو يصبح أكثر ضرورة عندما يصبح العالم قرية واحدة… يظهر الاستبداد ومثقفوه في قعر حفرة سحيقة، وتظهر قوى اجتماعية يصعب رصد ملامحها ببساطة، وتتفكك مع قوى الاستبداد ثقافات زائفة. ودول عظمى ما زالت تنهب الشعوب.

لا أميركا بنهمها المتوحش، ولا الاستبداد بأظافره المتشبثة بلحم شعوبها، ولا الفكر الغيبي ولا العنصريات القومية هي البديل. هو جيل ينفلت من عقال كل هؤلاء، من خلال تاريخ جديد. إنه الافتراق التاريخي بين الذات المنتهية والذات القادمة، بين سرعة الضوء والزحف، بين المعرفة والجهل، بين نهب الشعوب من خارجها وقتلها من داخلها، والنهضة القادمة لا محالة. مسألة تحتاج لفولتير جديد وكانط جديد وماركس جديد وحلاج جديد، وأبو ذر الغفاري جديد.

إنه الافتراق التاريخي المهيب …

 

2

على مدى قرن أعيد إنتاج التخلف، هذه المَعامل التي أعادت إنتاج التخلف، أصبحت غير قادرة على ضبط آليات تفككها، وقدرة انتاجها، وغير قادرة على منع آليات جديدة تعيد إنتاج المعرفة.

أصبحت إعادة إنتاج المعرفة أكثر اتساعًا، وأكثر حرية، وصارت إعادة إنتاج التخلف من الماضي، بحكم تفكك الجغرافيا، وانهيار الجدران وتكسّر الأصفاد، أصبح المجتمع المحلي وقواه المُعيدة لإنتاج التخلف هامشية، وأصبح العالم، متحد الأفكار والأدوات والآليات. ولا يمكن أن يتسع السروال لألف مؤخرة.

 

3

القوة الفاعلة الذهنية، لا تنتصر عادةً انتصارًا كلاسيكيًا، لكن أذهان الناس والجيل المتلقي يوارث هذا التلقي ويراكم الفكر النوعي كميًا، للحظات تسمى الانفجار المعرفي، ويتحول إلى أبله مقاتل عُصابي، يحمل سمات انتحارية.

التغيّرات قد تبدو مفاجئة لكنها، جعلت من هذا التراكم النوعي نوعًا جديدًا مضيئًا يتراكم من جديد، صورًا ذهنية تمشي على الأرض، وتخلق علومها وعلمها والثورة المعلوماتية واحدة منها. لكن القوى المتخلفة ترضخ وتستعمل هذه العلوم بشكل رجعي، كي تصب في مصالحها، وتخلق المسوغات لتبنيها، مع أن قواها الذهنية ما زالت قرب المحراث الخشبي.

 

4

الذي كان يستعمل الحمام الزاجل موصلًا للبريد كان تقدميًا، لكنه -بالتأكيد- في قمة الرجعية إن بقي يستعمله في حضرة الإيميل! الرجعي والتقدمي فكر متبدل، مرتبط بمدى صلاحية تعاملة مع الجديد، منهجَ تفكير وليس مستعملًا متخلفًا يمارس خبثه الجاهل ووعيه المزدوج، بين صفاقة فكره وإجباره على استعمال التقدم.

من الممكن التحايل على الفكر الفردي، لكن من المستحيل اللعب ببهلوانية مع الفكر الجمعي. فعندما تصبح الأشياء مرتبطة بسلسلة عضوية للوعي، يتوه المتخلف والممانع للتقدم، وينطوي، ويصاب بالإمساك التاريخي، حتى ينفجر معويًا من زاوية رأسه المدبب.

العودة إلى الحمام الزاجل ممكنة حنينًا، المسؤول عنه الفن والأدب والحسرات …

 

5

تقسيم الأرض على سكانها، مضى عليه حوالي 3 آلاف سنة، والآن بفضل ثورة المعرفة، أصبح هناك أرض فوق الأرض، اسمها الفضاء، وستلتئم الشعوب من جديد، وتقسَّم الأرض على مخلوقاتها من جديد، وقد لا تقسّم على الأطلاق، وربما يرث الأرض (أرضنا الحالية) صنف واحد، هو المتخلف فقط… الذي يكسر أجنحته وهي في مرحلة الزغب. يا لحظ الأجيال القادمة والجيل الذي لم يأت بعد، سيذهب لمكانٍ آخر… ستكون الأرض فقط لسكان القبور القدامى وثلة من المتخلفين يحفرون قبورهم بالتناوب التاريخي.

 

6

استشراف المستقبل يوضع -دائمًا- بزاوية العبث أو الجنون. ..

إنه ثمن البدايات. في العصر العباسي، تم قتل خيرة رجالات العرب والمسلمين الفلاسفة. وتم حرق كتب ابن رشد واتهامه بالزندقة، وكذلك في عصر النهضة الأوروبي، حيث تم حرق وخوزقة وقصل المئات، بل الآلاف من المفكرين، ومنهم من لم نسمع بأسمائهم. هذا هو التاريخ، لم يكن يومًا إلا تاريخ الأخطاء. والندم….

 

يا سيدي تضيق القبعة والسروال والفكرة

يا سيدي كنتُ طفلًا بسروال فضفاض.

لكن جسدك انفجر

ونبت لقلبك أجنحة… وأنت لا تدري

يا سيدي لا تورثني الغياب

ولا تعطني اسمًا موحشًا

ولا تكتمل بالعذاب

ياسيدي

السماء تعرّي المطر من الهلام، وتتجدد الأرض بالسراب.

مقالات ذات صلة

إغلاق