مقالات الرأي

زمن المنصات في ثلاث حركات!

الحركة الأولى

في كل موسم انتخابات برلمانية، كان أبو ممدوح يتقدم مرشحًا للفوز بمقعد من مقاعد البرلمان. في الخمسينيات قبل نشوء الوحدة المصرية – السورية، وبعد سقوطها وعودة النظام البرلماني عام 1961، زمن “الانفصال”، ولم يفته التقدّم للفوز بعضوية “الاتحاد القومي” في زمن الوحدة. حاصله؛ لم يجلس أبو ممدوح على أي كرسي تهفو نفسه إليه. كانت دعايته الانتخابية، تقتصر في كل جولة، على صورة يُعلّقها على الواجهات والجدران البارزة عن بعد، واغتاظ من طمس مرشحين آخرين لصورته بصورهم ذات الحجم الأكبر، والملونة، فقرر أن يحمي دعايته بوضع صورته في مكان لا تطاله صور المرشحين الآخرين. فاقتنى منضدة “منصة” وفوقها كرسي قش متين، وراح يصعد، “شخصيًا” ليلصق صوره في مكان مرتفع، واكتشف أن أعمدة الكهرباء العالية لا تطالها صور المرشحين المنافسين والمتنافسين.

نتيجته كانت على الدوام فشلًا يتلوه آخر، ولمَا سأله بعض أبناء الحي: يا أبا ممدوح لماذا تكرر الترشُح في كل انتخابات طالما النجاح لم يحالفك؟ فأجابهم:

صحيح لم أنجح، ويمكن ألا أفوز طوال حياتي، لكنني حسبتها جيدًا، يكفي أن موظفي المحافظة والبلديات والدوائر، عندما أدخل لصالوناتهم أراجعهم لغرض ما، سيقولون في سرِهم: هذا كان يمكن أن يكون عضو برلمان.

أما ما لم يبحْ به أبو ممدوح، أنَ ترشحه كان يجري بطلب من قوائم قوية متنافسة، ليحرق أصوات هذه القائمة أو تلك لو بقليل من أصوات أبناء أسرته وجيرانه، مقابل مبلغ لا بأس به من المال!

الحركة الثانية

في أوج نشاط حركة المقاومة في لبنان في السبعينيات، كانت المهرجانات الخطابية شبه أسبوعية، وحتى يومية، وكان أبو ماهر عنصرًا متقدمًا في السن، يعمل بجد ونشاط لحشد الحضور لمهرجانات فصيله، وللفصائل الحليفة، ويجلس مستمعًا مصفقًا للخطباء، وكثيرًا ما أبدى احتجاجه على إمكانياتهم، وهمس لمسؤوليه أنه يرغب بإلقاء كلمة بمهرجان “مثله مثل غيره”، وأكّد أنَه يُجيد الخطابة أكثر من الكثيرين، وأنه يشتهي أن يرى الجماهير تنظر إليه وهو على “المنصة”، ليعرف درجة حبهم له.

لم يهتم المسؤولون برغبته، بل استهتروا بها، فهو ليس إطارًا “كادرًا مثقفًا”، ولكثرة إلحاحه على تحقيق رغبته، اتفق المسؤولون على تكليفه بالمهرجان اللاحق بكلمة باسم “أبناء المنظمات الشعبية”، مُبيّتين تواطؤًا على رغبته. ومنذ علمه بموافقتهم، لم يترك الأوراق والأقلام والصحف والكتب والمجلات، يخطّ الخطاب ويدبجه استعدادًا لليوم الموعود، ويطلع زملاءه عليه، ويشطب ويضيف ويصحح. وللظهور لائقًا على المنصة ابتاع كوفية جديدة، ثم جرَّب أن يضع على رأسه “بيريه” غيفارية، لكنه تراجع نزولًا عند رأي رفاقه في المكتب، واعتمد الكوفية الجديدة، وحاول تنسيقها على رأسه كما ياسر عرفات، حيث حطته المميزة والفريدة.

منذئذ وحتى عشية يوم المهرجان، لم يترك أبو ماهر أحدًا من معارفه، ولا من أبناء المخيم وأصحاب الدكاكين، إلا وأخبره عن “المهرجان المهم”، ويحثهم على الحضور؛ لأنهم سيستمعون إلى كلمات لم يسمعوها من قبل، وسرَّب، متعمدًا، إلى بعضهم أنه سيلقي كلمة في ذلك اليوم، ولمن يمون عليهم كان يوشوشهم: “بدي الحشد يكون كبير، حتى تعرف القيادة جماهيرية أبو هاني”.

لم يخطر في باله أن هناك لعبة أعدّها المسؤولون، حين وعدوه بإلقاء كلمة، ليتخلصوا من “نقِّه” المتواصل فحسب، وعندما أخبروه أن كلمة المنظمات الشعبية ستلقيها إحدى الرفيقات، طالبين منه العدول عن إلقاء الكلمة، وتأجيلها لمهرجان آخر، هددهم بأن يصعد “المنصة” ويلقي الكلمة غصبًا عنهم، ولمعرفتهم بطبيعته، لم يستبعدوا إقدامه على فعلته، فقرروا تكليفه بمهمة مفتعلة إلى بيروت، صباح يوم المهرجان الموعود، فذهب واكتشف أنها للتخلص له، فرمى بطاقة عضويته في التنظيم في وجوههم، وفي اليوم التالي، تسجَّل في تنظيم آخر، وكان هاجسه صعود “المنصة” في يوم ما.

الحركة الثالثة

وافقت على الزواج منه، مشترطة تحقيق مطالبها كافة، وكلها مُكلفة، فاضطر لممارسة كل أنواع النصب والتهريب والاحتيال، واستأجر بيتًا له في دمشق، في منطقة لا تتجرأ قوى الشرطة والشعبة الجنائية ومفارز الجمارك على دخولها، وجعل بيته قبل الزواج مخزنًا للسجائر الأجنبية المهربة، وللويسكي والعطورات، وللموبايلات من العيار الثقيل، وأحاط نفسه بهالة من النفوذ لدى الأقوياء في مؤسسات السلطة، واختار ألبسة تُناسب ادعاءاته، وأخذ يلعب بالفعل دور الوسيط لدى أجهزة الأمن، لتسيير شؤون من يقصدونه مقابل مبالغ من المال، فجمع مبالغ من “تعبه وعرق جبينه”، تُلبي حاجة زوج المستقبل وتزيد.

عند “الزفة”، وفي الطريق إلى بيت الزوجية، رفضت العروس السيارة الفارهة، وطلبت منه استئجار عربة فولكلورية، يجرها حصانان، تعرف باسم “الحنتور – الحنطور”، إذ يغويها الظهور مرتفعة فوق “منصة” على مرأى من الناس، وهو ما يُلبيه مقعد عربة الحنتور، عكس السيارة المنخفضة، حتى وإن كانت مكشوفة. فامتثل لرغبتها، وبعد انتهاء الحفل في الصالة صعدت قبله إلى مقغد “الحنتور”، وحين أراد الصعود قام بحركة ليُظهر رشاقته ومتانة جسده، فانزلق عن درجة “الحنتور” ووقع على الأرض، فتهشم ذراعه وانكسرت قدمه، وعجز عن صعود المنصة، فأسعفه المحتفلون المُقرّبون إلى أحد المستشفيات، وصرخت العروس: “يا حظي ويا تعتيري، عيون الحُسّاد لم تكمل علينا فرحتنا”.

وقالت أم العريس: “كلو منك يا بنت الباشوات… ما بتركبي إلا عا لعلالي”.

ردت أم العروس: “ابنك يا ست ما بيلبقله يقعد قعدة أكابر”!

وعادت العروس إلى بيتها، بلا زفة فوق “منصة عالية” كانت تشتهيها.

مقالات ذات صلة

إغلاق