أدب وفنون

ملامح التشكيل الدرامي في خريف الأوسمة

انطلاقًا من العتبة – العنوان- (خريف الأوسمة/ فصل من تغريبة النازحين)، الإصدار الشعري الرابع للشاعر السوري (حسن إبراهيم الحسن)، الصادر عن جائزة الطيب صالح العالمية في السودان عام 2015، بعد حصوله على المركز الأول في مجال الشعر، نستشرف أن الشاعر يحاول الانتقال بنا إلى الحرب وطقوسها في سورية، فالشعر كغيره من الفنون يؤسس ويتأسس على قاعدة من الذكريات ومن ميراث كبير من التجارب والوقائع التي تتلاقح مع رمل الدقائق في الحياة.

يحاول حسن أن يكون في منزلة المراسل الشعري الذي يرصد الأحداث الدائرة في البلاد من خلال قصائده. وبما أن الدرامية من أكثر الأساليب قدرةً على رسم الواقع ونقل الأحاسيس، ضمن سياقٍ واقعي، يتكئ حسن عليها ويبدأ مجموعته الشعرية بنص يحمل عنوان (حرفان) مستندًا إلى السرد القصصي، معتمدًا على أسلوب فني بسيط، قادر على تحريض القارئ للانسجام مع النص والذاكرة المزدحمة بتفاصيل الحرب، متجنبًا الإفراط في رصد التفاصيل، ومكتفيًا ببعض المشاهد الخاطفة، واصفًا طفلته التي تشاركه الواقع والذاكرة بمنتهى البراءة:

“لا شيءَ يوجعني سوى أمرينْ؛

أنَّ ابنتي..

لم تبلغ الكلمات بعدُ، ولم تقلْ: بابا

ولكن..

من هدير الطائرات تعلَّمتْ حرفينْ:

ترنو إلى الأعلى كجروٍ خائفٍ،

و تقولُ: (بوووووو).” ص16

اعتماد الشاعر على السرد في بناء القصيدة حاجة وضرورة، لأنه يتناسب مع التطورات والأحداث، وقادر على الوصول بالنص إلى قمة التصعيد، عبر التركيز على التفاصيل التي لها تأثيراتها وتداعياتها الخاصة في نفس الشاعر والمتلقي، لذا نراه يشخّص حالة الفقر والحرمان والتشرد ضمن قالب شكلي جميل ولغة ملائمة:

” طفلٌ.. يبولُ على أصابعه قليلًا.. ريثما يجدُ الحطبْ

طفل.. مساء الثلجِ يحلم بالسرير..

وأمّه الـ قالوا سترجعُ من حلبْ..” ص 18

على الرغم من أهمية نقل الحدث، ورصد الحالة الواقعية إلا أن الشاعر يحاول أن يقلص من سطوتها عبر الإيحاء، كما هو الحال في نص (طفل2):

“طفلٌ بلا قدمينِ.. يرمقُ من بعيدٍ صبيةً..

يتسابقون إلى الكرةْ

هو آخر الناجينَ

يحملُ ذعرَ من هلكوا.. من الطوفانِ حتى المجزرةْ

ما أصغرَ الدنيا على قدميهِ/

تيجان الملوكِ، وشعرنا.. ما أصغرهْ…” ص 20

أحيانًا يحاول الشاعر أن يرسم باللغة المكثفة شريطًا طويلًا من مشاهد الوجع الزاخرة بالموت والخراب، وكأنّه فنيّ متخصص في المونتاج السينمائي، فيدمج تلك المشاهد في نص واحد، مختزلًا تلك الأحداث عبر التركيز على المشاهد الحساسة والقادرة على فتح معابر التأويل، ليشد القارئ إلى الحقيقة التي ينشدها:

“كانت قنديل المسافة معتمةْ

والنازحون على صراط الملحمةْ:

أمّ.. تهدهدُ طفلها، وتعدُّ -1- بين القذيفة والقذيفةِ أعظمَهْ

وأبٌ.. تُشظّي الطائراتُ سماءَ شرفتهِ

فيدفنُ في الحديقةِ أنجمَهْ

وأنا.. زجاجٌ خائفٌ، وأنا الحصى،

روحي.. كذاكرةِ الزجاجِ محطَّمَةْ..” ص 22-23

الحربُ تفتق الجراح، وتهشّمُ مرايا الذاكرة، لهذا يفصح الشاعر عن مشاعره الكامنة، كاشفًا -ما استطاع- المستبطن منه عبر حوارٍ داخليّ هادئ (مونولوج)، الحوار الذي يظهر الخواطر والهواجس والرؤى، فالهموم والأوجاع والرغبات كلها بواعث ومحفزات لمثل هذا الحوار، الذي يساعد القارئ على التسلل إلى سرائر الشاعر، فالمونولوج يمثل الأداة المتحكمة بالمشاعر وهي تبث الهدوء والسكينة في روح الشاعر، وتضع المتلقي على تماس مباشر مع حالة الشخصية وأفكارها وهواجسها:

“ولا أحبّ الصامتينَ/ الجالسين على الحياد؛

على أصابعهم أرى آثارَ دمْ

لا.. لا أحبُّ الجند/ لا الجنرالَ –قائدهم-

ولا ابنته الجميلة.. وهي تقبض مثل جندٍّ على عنقِ الكمان

ولا أحبّ قصائدي مذ صرتُ شاعرها المفضل/

لا أحبّ الورد في يدها..

ولا عشاقها الـ قطفوه حينَ أصابها الغثيان

من موتى المجاعةِ في خيامِ النازحينَ

ولا أحبُّ أنيسها في الأمسيات– الببغاءُ…

على أصابعهم أرى آثارَ دمْ..” ص 44-45

إلى جانب المونولوج، تلك النافذة المطلة على المشاعر والأحاسيس التي يعيشها الشاعر، والشرفة التي تشرف على أحلامه وذكرياته وآماله، استخدم حسن الحوار الخارجي (الديالوغ)، لكي يؤجج الحالة الدرامية في نصوصه، لتبلغ ذروتها في عدد من النصوص، من خلال تنوع الأصوات في النص الواحد، فنراه يضعنا أحيانًا أمام جوقة من الأصوات وأحيانًا أمام حوريات ثنائية. محملًا تلك الحوارات طاقات فكرية وإنسانية عالية:

”    – أنا نازحٌ…

  • وأنا كذلك…

قال طفلٌ، والغريب أجابهُ، فتعانقا،

وتقاسما في خيمةٍ للنازحين رغيف خبزٍ يابسٍ

  • أنا خائفٌ..
  • وأنا كذلك…

قال جنديٌّ وردّت أمّه، لمّا رأت أمًّا تزغردُ في الجنازةِ/

  • متعبٌ…
  • وأنا كذلك…

قال حفّار القبورِ، وسائق الإسعافِ، والجرحى، وأمّ ثلاثةٍ سقطوا عشيّةَ غارةٍ..” ص 29-30

لقد ركز الشاعر على الحوار الخارجي في نصوصه، لأنه يلعب دورًا مهمًا في الكشف عن الأحداث والنوازع البشرية، إلى جانب دوره في تسليط الضوء على حالات التشتت الفكري والأخلاقي والإنساني التي تسود البلاد؛ بسبب حرب أفقدت الناس توازنهم، أو أنها أسهمت في إظهار المكبوت من المشاعر والحقائق:

“تزغردُ أمّهات الجندِ للناجينَ والقتلى؛

أنا أمُّ الشهيد– تقولُ سيدةٌ تزغردُ في الجنازةِ…

بل أنا أمّ الشهيد– تقول سيدةٌ على الطرف النقيضِ…

وثمَ أمٌّ تنهرُ الجنديّ: (ابكِ كما النّساءُ على بلادٍ لم تصنها كالرجال…).” ص 58

 

أخيرًا، أستطيع أن أقول:

خريف الأوسمة مجموعة من القصائد المرصعة باللغة الشعرية المكثفة والعالية، فاللغة من الأعمدة والركائز المهمة في الأعمال الدرامية، إلى جانب السرد والحوار والاستذكار، ولقد تمكن الشاعر حسن إبراهيم الحسن من التعبير عن أفكاره ورؤاه مستثمرًا جميع العناصر الدرامية التي مكنته من رصد القضايا الإنسانية في نصوصه، ومن ثم؛ التأثير في المتلقي ضمن سياق رؤيته الخاصة للحرب الدائرة في البلاد.

مقالات ذات صلة

إغلاق