تحقيقات وتقارير سياسية

“التقنين” السوري وفن الحلول السياسية

لا تجعلوها عرضة للموت مرتين، مرة حين تنفذ أبشع المجازر الفردية والجماعية فيها، حتى طالت مدنًا بأكملها، توثقها عدسات من يتحدون الموت بآلاف الفيديوهات والصور، ومرة حين يقتّر المجتمع الدولي، حلول المأساة السورية على دفعات أو وفق “بونات” “التقنين” المعتمدة في ترتيب أولويات البيع في الحلول السياسية! تلك الحلول التي تسعى لتقاسم الكعكة السورية التي نضجت على حساب دم أهلها وتاريخهم وحضارتهم وثورتهم! ثورتهم الأقسى والأشد في التاريخ المعاصر، وكأنه كتب على شعبها متابعة سياسة “التقنين” المعاشة طوال عقود البعث الحاكم في الرأي، في الكلمة، في حرية التعبير، وفي الزيت والسكر والرز وبواقي المواد التموينية، واليوم بالكهرباء والماء والمحروقات، وأيضًا في طرق “الأمم المتحدة” في كيفية وصول الإغاثة للمدن المنكوبة والمحاصرة، فمرة ترميها من الجو ومرة تعلن فشلها بالوصول إليها، وليس “تقنين” في توثيق الجرائم وتصديقها في “الأمم المتحدة” فحسب!

و”التقنين” والمواد المقننة، هي فنّ التحكم برأي الشعوب واهدار كرامتها ومسخ شخصيتها، وقولبة فكرها وماضيها وحاضرها، فالمواطن حين يقف في طابور السكر أو البنزين، سيمتن للحكومة عندما يحصل على مقنناته منها، التي لا تسد رمق العيش، بعد ساعات من الانتظار! وأهالي المدن المحاصرة سيشكرون “الأمم المتحدة” عندما تصلهم مخصصاتهم عبر الجو! فهل سيشكر السوريون، المدفونين منهم والمشردين، المعتقلين منهم والمغيبين، السياسيين منهم والمدنيين، “الأمم المتحدة” على تسريباتها المقننة في توثيق جرائم الإبادة والتهجير التي يتعرضون لها، عندما تجد لهم حلًا يلائم أصحاب القرار العالمي وصناع سياسته؟

إذ لم تكن التسريبات الخارجة من سجن صيدنايا الأولى في تاريخ الثورة السورية، ولا حتى قبلها في العقود الماضية التي خلت، فقبلها حماة عام 1982 ومجزرة سجن تدمر الشهيرة، ولم تكن بعيدة الذكرى بعد ملفات تسريبات ما بات يعرف بقيصر سورية قبيل جنيف 2 بدايات عام 2014، ولا آلاف الصور والفيديوهات الموثقة للمجازر الموقعة بحق السوريين، ولا تقارير “الأمم المتحدة” و”المفوضية العامة لشؤون اللاجئين” ولا “أطباء بلا حدود” ولا “مراسلون بلا حدود”، ولا “هيومن رايتس ووتش” وغيرها من المنظمات الدولية  غائبة عن الساحة الأممية أبدًا، ولكن يبدو أن قوانين “الأمم المتحدة” بنيت على أسس “اشتراكية”، الدفاتر الزرقاء التي تقتر الحلول وحقوق تقرير مصير الشعوب، ولكل شعب من اسمه نصيب! فسوريا Súrya التي كانت تعني الشمس في اللغة السنسيكريتة في 4000 ق.م، وكانت بلاد الشام قبل سايكس بيكو، وكانت سورية عهد الثورة السورية الكبرى والاستقلال، وقننت لدولة البعث السوري في الخمسون الماضية، وكانت سورية دولة المواطنة الحلم في الثورة، وهكذا يجب أن تكون، فهل سيقنن الساسة سوريا لخلاف هذا!

نعم، فلم يمض زمن بعيد، وإن كانت ذاكرة “الأمم المتحدة” قد تناست أو تقادمت أو رشحت موقفًا دون سواه، فيحق للساننا التساؤل: هل ستكون تسريبات سجن صيدنايا اليوم كسابقتها في تاريخ تقنين الحل السوري؟ فمسار ” التقنين” المرير -هذا- مرّ بمحطات عدة:

شكّل “مجلس حقوق الإنسان” لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسورية المكلفة بجمع وثائق جرائم الحرب في سورية منذ عام 2011، دون أن يستطع -إلى اليوم- أن يجعل منها مادة للتحقيق الدولي في محكمة العدل الدولية، أو غيرها من المحاكم التي يمكن أن تشكل لهذا الغرض، كتلك التي شكلت للتحقيق في الإبادة الجماعية في البوسنة والهرسك بما عرف المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في تسعينيات القرن الماضي..

هددت أميركا معاقبة النظام السوري بضربة عسكرية لاستخدامه السلاح الكيماوي بحق شعبه في الغوطة الشرقية في 31/8/2013، لكنه سحب من التداول “تقنينًا” للموت واتفق كيري ولافروف، على سحب الكيماوي ولا ضير من الطيران الحربي، خاصة الروسي وغيره.

صوتت روسيا بالفيتو على مشروع القرار الفرنسي بإحالة ملف النظام على الجنائية الدولية في 22/5/2014 وصفته “هيومن رايتس ووتش” بالخيانة للضحايا السوريين، وارفقته بقرارين من الفيتو متتاليين في آخر شهرين من عام 2016 لوقف الحملة العسكرية على حلب، وعقد هدنة فيها لدخول الإغاثة للمدينة المحاصرة، لكن للروس رأياً آخر: لنقنن عدد السوريين وليرحل سكان حلب، ثم نقرر وقف إطلاق النار بالقرار 2336 ليلة رأس السنة، ولتدخل “العلمانية” الروسية عبر دستور روسي، فالسوريون قد اعتادوا التقنين حتى في كتابة عقدهم الاجتماعي.

كشف قيصر سورية، العسكري المنشق عن النظام، والذي سرب 55000 ألف صورة لما يزيد عن 11000 معتقل قضوا في سورية قبل جنيف 2، موثقة برقم التوقيف والفرع الأمني الذي اعتقله، وكانت صورًا مرعبة تهز الضمير العالمي ومجالس حقوقه الإنسانية ومنظماته المدنية، حتى أن مجلس الشيوخ الأميركي قد صوّت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 على ما بات يعرف بقانون قيصر لحماية المدنيين السوريين المتضمن إجراءات صارمة على داعمي النظام السوري، لكن مع “تقنين” القرار السياسي في كيفية تعاطي ترامب معه.

“هيومن رايتس ووتش” من جانبها توثق استخدام الأسلحة الكيماوية في حلب اليوم، ووثائق عن 13000 معتقل سوري قضوا في سجن صيدنايا، وهذا كله قبيل جنيف 4، ما يذكرنا بقبيل جنيف 2 في 2014، فهل تكون صيدنايا الأخيرة على بوابة جنيف 4 وتنهي تاريخ التقنين للحلول السياسية السورية التي يروح ضحيتها الآلاف؟ أم لازال لدى “الأمم المتحدة” ما يبرر تقتيرها العمد هذا لإنهاء الموت السوري المعلن.

السوريون، وهم ما فتئوا بعضهم يودع بعضًا على مهل، “يقننون” الدمع ليكفي غيرهم من الماضين، سواء نحو الموت أو بلاد الشتات.. السوريون، وبينما هم منهمكون في تقنين الوقت النازف بالموت، كان العالم يعد ضحاياهم التي فاقت نصف مليون، ويعد مدنهم المدمرة، وعدد ضحايا أطفالهم بين شهيد وغريق ومفقود… السوريون، وهم لم يبخلوا في كتابة وثيقة العهد وخطة التحول الديموقراطي وآلاف الرسائل لدول العالم عنوانها العريض: تاريخية “التقنين” التي عشناها، والتي ظننتم أنا تأقلمنا معها زمنًا خلا، قد قررنا، نحن السوريين، وضع الحدّ لها والانتقال لفضاء الحريات وعكس مسار التاريخ، حين أرادنا تقنين تاريخ الموت بالقضاء، واستئثار السلطة بالدستور، ونهب الدولة ومقدراتها بمحاسبة الفاسدين، والأحكام العرفية والقتل المجاني بأحكام العمل والقيمة والحياة، وحياة الذل والهوان واستعطاء أصحاب النفوذ بفرص العمل بالحياة الحرة الكريمة، والعدالة الاجتماعية، وفتح إمكانيات المجتمع اتجاه الحداثة والدولة الوطنية العصرية، السوريون حين قرروا أن دولتهم دولة المواطنة بلا أكثرية أو أقلية، بلا عسكر أو أمن، بلا اشتراكية أو رأسمالية أو اسلامية، جابهتم كل الأمم بتقنين الحلول السياسية لمأساتهم، لا بل ابتزاز ثورتهم وتحويلها لمادة لتقاسم النفوذ والهيمنة ما يجعلهم يقبلون بأقل شروط الحياة السياسة التي أرادوا، حتى لا تكون ثورتهم ثورة حرية وبناء دولة وطنية، بل ثورة خاتمتها المساومات والمفاوضات مع جملة من التسريبات المقننة لحين الغرض، ولغرض نرجو ألا يكون يخفي ما يخفيه.

قد يخلط المجتمع الدولي، والروس والأميركان على رأسهم، أوراق اللعبة السياسية السورية مرات ومرات، وقد يبتكروا فنون التقنين الجديدة في حياة السوريين ومعاشهم، لكنهم على يقين تام أن السوريين قد أعادوا ترتيب أوراقهم مرات ومرات ليختاروا أن يرموا كل أوراق اللعب والتقنين، وليكتبوا على ورقة بيضاء لا سحر ولا شعوذة ولا عجب فيها، سوى عبارة واحدة وواحدة فقط: هي ثورة للحرية اليوم وغدًا ومستقبل أطفالهم وأحلامهم فيها.. إلى أن تتحقق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق