مقالات الرأي

تحت طائلة استمرار مسلخ البشر الأسدي

قبل سنتين ونصف تقريبًا استرعى انتباهي، كما حدث لغيري آنئذ دون شك، فيلم قصير بثته فضائية مجهولة الراعي والممول، يعرض رجلًا في لبوس شيخ، يحاضر في كيفية جزِّ الرقبة على أحسن وجه وكأنه في غيبوبة نشوة جنسية، وأمامه حاسوب كأنما يلهمه ما فيه ما كان في سبيله إلى قوله.

في تلك الآونة كانت أفلام داعش هوليودية الإخراج تعرض على العالم ضروبًا من العقاب الذي تمارسه: قطع الرقاب أو حرق الأحياء أو إلقاء البشر في حفر بلا قرار. وفي الوقت نفسه كانت هناك خمسة وخمسون ألفًا من صور “قيصر” لأحد عشر ألف جثة معتقل قتل تحت التعذيب في سجون النظام الأسدي “العلماني” تنتشر على مواقع الإعلام في العالم أجمع وتقدم دليلًا ملموسًا على عنفٍ رسمي سبق للعالم أن عرفه في عهود غابرة أو حديثة لم يكن عهد النازية آخرها، وكان قد أقسم على أن ذلك لن يتكرر. لكنه يتكرر. بل ويتفاقم في كل مرة أكثر من سابقاتها. وعلى مرأى ومسمع من هذا العالم الغارق في أجواء صمت شامل ومريب.

ما كان والحالة هذه لتقرير منظمة العفو الدولية الذي حمل عنوان سورية: المسلخ البشري، عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسورية، حول إعدام ثلاثة عشر ألف معتقل في هذا السجن وحده بين عامي 2011 و2016 أن يثير دهشة من عرف وتابع سلوك النظام الأسدي منذ نهأي سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، ولا كذلك أن يفاجئ دوائر القرار في عواصم كبرى الدول الإقليمية والدولية. فدوائرها الأمنية على علم دون شك بما كان ولا يزال يجري وراء جدران السجون الأسدية العالية. وليس سجن صيدنايا وحده من يحمل هذا السجل في القتل، فمن قبله كان هناك سجن تدمر، وسجن حلب، وسجن عدرا، وأقبية الفروع الأمنية التي لا يحصى عددها لا في دمشق فحسب بل في كل مدينة من مدن سورية. ومن قبله أيضًا كانت المجازر التي ارتكبت على رؤوس الأشهاد بحلب وحماه وتدمر على امتداد ثمانينيات القرن الماضي وفي ظل النظام الأسدي، مثلما مورست خلال السنوات الست الماضية المجازر بمختلف الوسائل والكيفيات، من الجو وعلى الأرض، وباستخدام الأسلحة التقليدية والاستثنائية كافة، بما فيها الكيماوية. أيضًا على مرأى من العالم أجمع.

في ضوء ذلك، لا يمكن لأي مراقب عقلاني النزعة -أي لا يستخدم نظارات الأيديولوجيات التي ترسم للعينين ما يجب أن تراه- إلا أن يلحظ أن النظام الأسدي من جهة، لا يفعل سوى السير على هدي النظم الاستبدادية مُجّدِّدًا أساليبه وأدواته. وفي كل مجالٍ سياسيّ أو إعلامي بطبيعة الحال. ومن ثم فلا مجال للدهشة أو حتى للتذمر من تكذيب رأس النظام لتقرير منظمة العفو وعدّه “مُسَيَّسًا”. ذلك أن اتهام “الآخرين” بجرائمه المستمرة بات سياسة رسمية ومعتمدة، لكنها مفضوحة، منذ انفجار الثورة السورية قبل ست سنوات، فضلًا عن أن حلفاءه اليوم يعتمدون هم أيضًا سياسته في الإنكار والاستنكار تحت عناوين متعددة: الكذب أو التلفيق أو التسييس أو غياب المهنية.. إلخ.؛ وأن كل المحاولات الدولية، من جهة أخرى، باتت تصب اليوم في اتجاه واحد: إعادة تأهيل تدريجي لا للنظام الأسدي وحده بل لشخص رأس هذا النظام الذي يعرف الجميع أنه ليس تجسيده فحسب بل رمزه الأساس. ومن ثم فالاستنكار المنافق ليس إلا ضريبة تدفعها القوى الدولية بوجه خاص لكي تلتفت إلى ما هو أجدى في نظرها: حلُّ ما بات يسمى “المقتلة السورية”، في تناسٍ وتجاهلٍ كاملين للسبب الأساس وراء ما يسمونه المقتلة أو بالأحرى، ما يجب أن يُطلَقَ عليها، المجزرة الأسدية، ورأسها المسؤول: النظام الأسدي برجاله ونسائه وأتباعه وحلفائه المحليين والدوليين.

هنا تتجلى خطورة مآلات كل حركة يقوم بها مَنْ يتصدون بجرأة يحسدون عليها “لتمثيل” الثورة السورية أو الشعب السوري.

فما دام بعض من اتخذوا “المعارضة” مهنة جديدة ومدرارة يتحدثون بصفاقة غير مسبوقة عن “مقام الرئاسة” كخط أحمر، وما دام آخرون يتغاضون بحجة “الضغوط الدولية” و”ميزان علاقات القوى الذي يميل اليوم إلى جانب القتلة”، وينساقون -من ثمّ- إلى التوقيع على ما لم ولن يسكت عنه ملايين السوريين ممن اعتُقِلوا وعُذِّبوا وهُجِّروا وحُرِموا من بيوتهم وأموالهم: أي التعايش مع القتلة أو تحت هيمنتهم أو في ظلهم، فمن الطبيعي أن يرتاح نظام المسلخ إلى مصيره مثلما يرتاح حلفاؤه الضالعون معه في جرائمه، وأن تبدو الطرق أمام السوريين على هذا النحو معبدة بالدماء لا تزال.

لن تكون ثمة فائدة من الاستمرار في التنديد بالعالم الصامت عن جرائم النظام الأسدي، كما لن يكون مجديًا استنكار محاولة الأعداء والخصوم والأصدقاء إعادة تأهيل النظام المجرم. والأهمُّ أنه لن تكون مجدية أيضًا وخصوصًا -في واقع الأمر اليوم- ضروب الحراك التي تقوم بها روسيا من أجل فرض حلها السياسي على الجميع، بدءًا بالشعب السوري الذي بات جميع أعدائه الحقيقيين يتنطعون للحديث باسمه ولـ “صالحه”. إذ لا شيء في الأفق يشير إلى إمكان فرض مثل هذا الحل الذي لا يملك عناصر إرضاء القوى الإقليمية الموجودة على الأرض مباشرة أو عبر وكلائها، وفي المقدمة منها إيران وذراعها اللبناني، ثم النظام الأسدي الذي يعلم فيما يخصه كل العلم أن أي مفاوضات جادة حول حلٍّ حقيقي سيطيح به، ومن ثم؛ فقد قرَّر وأعلن منذ المرة الأولى التي جرى فيها الحديث عن حلٍّ سياسي أنه سيعمل دون كلل على الإغراق في التفاصيل؛ وها هو يتابع اليوم ذلك أكثر من أي وقت مضى ريثما يتمكن مع وليِّ نعمته الإيراني من فرض حلِّهما عسكريًا مهما طال بهما الأمر.

ومن المؤسف أننا في مواجهة كل ذلك، نرى أن المعارضة بكل فصائلها وهيئاتها ومنصّاتها وقواها المقاتلة بعيدة كل البعد عن وعي هذا الوضع بكل تعقيداته والعمل بما يمليه من ضرورات ملحة. فهي فضلًا عن تشرذمها الفكري والسياسي والتنظيمي، لا تملك، بفعل غياب الهدف الاستراتيجي الواضح الذي يوحِّدها ويغطي خلافاتها المشروعة وغير المشروعة، مرحليًا على الأقل، أيَّ وزن يمكنها به أن تؤثر على مجرى أو وجهة أي مفاوضة تجري اليوم أيًا كان مآلها، وخصوصًا في هذا الوقت الذي تبقى فيه روسيا حتى الآن -وفي غياب أي توافق إقليمي ودولي على تحديد الهدف من التفاوض وعلى طبيعته ومآله- هي من يهيمن على المسرح السوري سياسيًا وعسكريًا.

ضمن هذه الشروط كلها، وما لم يبادر من تصدوا لتمثيل السوريين ضد النظام الأسدي إلى إعادة نظر شاملة في طرق العمل والتنظيم وتحديد الأهداف المرحلية والاستراتيجية، بالاعتماد على والاستفادة من كل ما يقوم به وينجزه الناشطون السوريون هنا وهناك على صعيد الدراسات والبحوث والمقترحات في كل ما يعني الثورة السورية وتحقيق أهدافها في الحرية وفي الكرامة وفي العدالة -وهي الأنوار الوحيدة اليوم في هذه الظلمات- سيبقى نظام المسلخ البشري الأسدي على الساحة، وسيبقى خطر تمدده حقيقيًا وماثلًا أمام وبرضى جميع الأعداء والأصدقاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق