أدب وفنون

العِنان الوحشي

كتب الشاعر الإيطالي دانتي على باب جهنم:

(أيها الداخلون اتركوا وراءكم أي أمل في النجاة).

 

خطوات سيدة أربعينية شقراء ووحيدة في محطة قطارات باريس، تصعد درجًا كهربائيًا.

على الدرج النازل شاب وفتاة يتبادلان القبّل، تدخل السيدة القطار وبعد ثانيتين يصعد شاب إلى القطار ويبدأ في الكلام:

يقول الرجل بأن اسمه أنطوان، عمره 29 عامًا، وقد قرأ مرة في إحدى المجلات بأن في فرنسا وحدها ما يقارب خمسة ملايين امرأة عازبة.

يسأل أنطوان أين هنّ؟

أنطوان أعزب منذ ثلاث سنوات، مهندس كمبيوتر، براتب جيد، وقد أخذ كفايته من ممارسة الجنس عبر الإنترنيت ومشاهدة التلفاز. يضيف بأن هذه ليست حياة.

يؤمن بالسعادة، يبحث عن امرأة ناضجة بين 18 – 55 سنة. غير مرتبطة ومستعدة لعلاقة مخلصة صادقة.

يطلب أنطوان إلى السيدات الموجودات بالمقصورة: من تجد نفسها مهتمة فلتخرج عن صمتها.

يقاطعه رجل متزوج: خذ زوجتي إذا أردت فهي تحب المال، يرد أنطوان بأنه يبحث عن الحب.

يضيف المتزوج: إذا ستمضي وقتًا طويلًا في القطارات!

يعود أنطوان ويوجه كلامه للسيدات: إذا كانت بينكن من تشاركني رؤيتي، فلتنزل معي في المحطة التالية.

تبتسم الأربعينية، تنظر إليه، تتقدم وتنزل من القطار حين يتوقف، يُغلق باب القطار على صوت أنطوان يقول بثبات: آنستي إنها الكاميرا الخفيّة!!

يتابع القطار حركته….

وتكون هذه هي اللقطة الأخيرة في الفيلم الفرنسي القصير (سأنتظر القطار التالي).

رصد المخرج في أقل من أربع دقائق، عوالم ثلاث شخصيات.

ينتهي الفيلم بكلمة لم يقلها أحد، لكن قالتها عيون السيدة التي نزلت في المحطة.

إنها الخيبة !!

يحمل الفيلم مقولة عاطفية، رسالة لم نقبض عليها إلا في الثانية الأخيرة من عمر الفيلم، لحظة سمعنا صوت أنطوان، وامتلأ وجه السيدة بنظرة، كل وجهها كان نظرة فحسب.

التأثير العاطفي للأفلام عادة سريع الزوال، على عكس الرسائل العقلية، لكن ذلك الوجه لم ينتهي!

إنها خيبتها.

كل ما حدث لهذه السيدة هو كذبة مشعة، فكرة سقطت فوقها فجأة، نبرة صوت متدفقة، وبادرة حلوة، جعلتها تلوذ بابتسامتها الموافقة ضمنيًا على ما قاله أنطوان.

لم يكن ثمة مكان تختبئ فيه، كانت مكشوفة تمامًا، وقد تسربت جميع الحيوات إليها من كل الفتحات، صارت استجابتها ضوءًا، استجابة حقيقية بلا زيف.

لكنها الخيبة!

كيف يمكن أن نقرأ هذه الومضة الصدفة، الفيلم قصة قصيرة بدأت داخل مقصورة قطار، وانتهت خارج القطار على وجه السيدة، إنها -إذن- خارج الإطار (الكادر)، خارج اللعبة لكنها داخل الخيبة.

يقول ألبير كامو بأن “الإحساس يخدع”. وهذه النهاية أنشبت عداوة بين امرأة ورجل. إذن؛ هل هذا الإحساس خديعة.

يرتبط الشعور بالخيبة بنوع غير مألوف من الإشارات الدماغية؛ حيث الشعور بالإحباط والحزن يأتي من انطلاق اثنين من النواقل العصبية إلى الدماغ. أحدهما ذو طاقة إيجابية، والآخر يثبط الشعور بالطاقة السلبية؛ إذ يقول العلم بأن نسبة الناقليَن تحدد درجة خيبة الأمل.

تنتج الخلايا العصبية -عادة- ناقلًا واحدًا محددًا ومرتبطًا بالمزاج، إلا في حالة الشعور. بالخيبة يتحرر اثنان من النواقل العصبية، من منطقة تدعى “العِنان الوحشي” لإحداث الشعور بالخيبة.

إذن؛ في تلك اللحظة التي أُغلق فيها باب القطار، انطلق من منطقة العنان الوحشي ناقلان عصبيان، ناقلان وحشيان، رسما على وجه السيدة الأربعينية ذلك الشعور الوحشي بالخيبة!

مقالات ذات صلة

إغلاق