هموم ثقافية

عيد الحب وذكرى صادق العظم، في الحب والحب العذري

الحب يُعرف ويُختبر، ولكنه لا يُعّرف. تتأتى صعوبة تعريفه من كونه ظاهرة فردية تختلف من فردٍ إلى آخر (الفرد الإنساني ذكر وأنثى دومًا)، ولأنه أقدم ظاهرة في حياة البشر، ظاهرة تنمو وتتموج بنمو الحياة الإنسانية وتطور المجتمعات. وقد عالج الكتّاب والأدباء والفلاسفة والكهنة هذه الظاهرة منذ أقدم العصور، فلا تخلو من هذه المعالجات ثقافة من الثقافات الإنسانية. ومن أقدم ما وصل إلينا من نصوص مكتوبة، أناشيد ملحمة “جلجامش” ومغزاها الأعمق، أن الحب ينقل الإنسان من الهمجية إلى المدنية، ونشيد الإنشاد الوارد في التوراة، ثم سيل من النصوص الشعرية والمسرحية والفلسفية، لعل من أهمها محاورة المأدبة “لأفلاطون”.

ومنذ مأدبة أفلاطون عالج الفلاسفة ظاهرة الحب من جميع وجوهها ومستوياتها، ابتداء بالحب الجنسي (الأيروس) الطبيعي- المدني- وصولاّ إلى الحب الصوفي والتلاشي أو الذوبان في الذات الإلهية وجدًا وكشفًا، مرورًا بالحب الحر ومحبة الجمال، ومحبة الإنسانية، ومحبة المثل العليا، ومحبة الأهل والأصدقاء، وحب الوطن، والحب الأمومي… إلخ، وغيرها من الموضوعات التي ربطها الفلاسفة بعاطفة الحب، وأدخلوها في صلب فلسفتهم ورؤيتهم للعالم والحياة. وتجدر الإشارة إلى أن الحب هو العمود الفقري للحكايات والسرديات الشعبية، التي تؤنس المجالس والأسمار، وتشير من طرف خفيّ إلى الرغبات المكبوتة والميول الممنوعة، وتصعيدها إلى مستويات أخلاقية عالية. وقد قال الإمام “ابن حزم” في رسالته الشهيرة عن الحب: “لقد دقّت معانيه لجلالتها عن الوصف، فلا تدرك حقيقتها إلاّ بالمعاناة”. واقترن الحب في الثقافة العربية الكلاسيكية بالمكابدة والمعاناة، وكان بمنزلة اللآلئ التي تزين النصوص الشعرية والنثرية والأقوال السائرة.

من أبرز من عالج هذه الظاهرة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر، المفكر الراحل “صادق جلال العظم” في كتابه الشهير “في الحب والحب العذري” (دار المدى، دمشق، الطبعة الخامسة،2002). ولعل الدكتور العظم المفكر العربي الوحيد الذي جعل الحب موضوعًا للتفكير الفلسفي، فاتحًا بذلك المجال لاقتحام المحرمات وتفكيكها، وهذا ما امتاز به “العظم” عن غيره من المفكرين العرب، إذ اقتحم ما سماه الراحل “بو علي ياسين” الثالوث المحرم: “الحب الجنسي والدين والسياسة”. فقد لامس هذا الكتاب مجتمعاتنا المكبوتة عاطفيًا وجنسيًا، ولعله ترك أثرًا عميقًا في أذهان من قرؤوه من النساء والرجال. ويخيّل لي أن الدكتور “العظم” بهذا الكتاب ألقى حجرًا في مستنقع الثقافة العربية السائدة، ليخرجها من ركودها.

لقد حاول “العظم” أن يكشف بعضًا من الأبعاد الخافية في هذه الظاهرة، التي تشير إلى “أطياف من المشاعر والأحاسيس والانفعالات المتقاربة المتشابهة المترابطة ترابطًا عضويًا، في النفس الإنسانية” (ص 10)، وحدد موضوعه على صعيد الإيجاب بـ “الشهوة والحاجة والنزوع والميل إلى امتلاك المحبوب، بصورة من الصور، والاتحاد به بغية إشباع هذا النهم، وتحقيق الشعور بالاكتفاء والرضا، والتغلب على نقص كان يضايقنا، ويقض مضاجعنا، فلا نعرف سبيلًا إلى العيش الهنيء بدونه وبدون البحث المستمر عمّا يسده ويسكته، ويفي بحاجاته ومتطلباته.” (ص 11).

ولئن ربط العظم ظاهرة الحب بالرغبة الجنسية، فقد عدّ هذه الرغبة شرطًا لازمًا للحب، ولكنه ليس كافيًا لبزوغه، لأن الحب يسمو بهذه الرغبة إلى مصاف القيم الأخلاقية والجمالية، وإلاّ كانت هذه الرغبة حيوانية خالصة. وما يسمو بهذه الرغبة إلى مستوى القيم، هو الثقافة ومقتضيات الحياة الاجتماعية المتجددة دومًا.

واللافت في الكتاب أن الدكتور “العظم” عالج موضوع الحب بدلالة مقولتين هما: “الاشتداد والامتداد” وسماهما “مفارقة الحب”. ويقصد بالاشتداد توهج الحالة العاطفية وشدتها النفسية، وأما الامتداد فهو دوام الحال وامتدادها زمنيًا، ويخص الامتداد بالزواج، الذي يقوم على التزام الرجل بتلبية حاجات الأسرة والوفاء التقليدي لزوجته بما يرضي العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية السائدة، والتزام الزوجة بالعفة والطهارة والوفاء لزوجها. ومن خلال هذه المقولة وجه “العظم” نقده لمؤسسة الزواج في المجتمعات كافة، وخاصة في مجتمعنا، ويعدّها تخنق الحب وتنهيه. كأن “العظم” يجري مقابلة بين قيم الانضباط الاجتماعي التي تحكم مؤسسة الزواج، وبين قيم الحرية. ولم يفته ربط الحب بالجمال.

وفي خلال معالجته لهذه المسألة كشف “العظم” عن فردية القيم الجمالية؛ لأنه ما من محب أو محبة إلاّ ويرى في المحبوبة أو ترى في المحبوب ذروة الجمال. يقول “العظم” في ذلك: “ليس في هذه الظاهرة ما يثير الدهشة، لأنه حين ينظر العاشق إلى موضوع عشقه، من خلال هذا التركيز الهائل لأحاسيسه وانفعالاته وتنبهه إلى الشخص المعشوق، لا بد أن يراه في صورة تختلف في ألوانها وظلالها عن الصورة التي تبدو للمشاهد العادي”. (ص17). ويرى -أيضًا- أنه “ليس هناك فارق أساسيّ أو نوعيّ بين المرأة والرجل في عاطفة الحب، بخلاف الأفكار الموروثة الخاطئة كافة حول هذه الحقيقة، وبخلاف التصورات المسبقة المغروزة في عقولنا وقلوبنا أجمعين”. وذلك لأن النفس الإنسانية لا تخضع لاعتبارات التذكير والتأنيث إلاّ عرضًا ومجازًا. وقد اعتمد “العظم” في هذا كله على تحليل موقف الفيلسوف العربي “ابن حزم” وتحليل شخصية “الدنجوان” عند الشاعر الفرنسي “موليير” وتوقف مليًا عند هذه الشخصية التي تتصف بالمرونة وطلاقة اللسان، والقدرة على مغازلة فتاتين معًا والنجاح في إغوائهما. وثمة شبه بين شخصية “الدنجوان” المولييرية وشخصية “عمر بن أبي ربيعة” العربية، الذي أغوى الأخوات الثلاث.

وأهم ما جاء في هذا الكتاب، معالجة “العظم” للحب العذريّ المعروف في الثقافة العربية، والمنسوب إلى قبيلة “عُذرة”، ويعدّها “العظم” ظاهرة عاطفية غريبة ونمطًا خاصًا من الحب، يتسم بالعفة والوفاء والسمو كما يزعم كثيرون. وقد عارض “العظم” في ذلك ما جاء في كتاب الدكتور “يوسف خليف” في كتابه “الحب المثالي عند العرب” الذي يرى فيه “أن الحب العذري ظاهرة روحية يتعلق العاشق بواسطته بمحبوبة واحدة يرى فيها مثله الأعلى الذي يحقق له متعة الروح ورضا النفس واستقرار العاطفة”. في حين يرى “العظم” في الحب العذري حالة مرضية أساسها المعاناة والمكابدة والتلذذ بألم الذات وإيلام المحبوب أو المحبوبة، وهذا أقرب ما يكون إلى ثنائية “المازوخية والسادية” اللتين تتبادلان المواقع، ومثاله “جميل بثينة وقيس وليلى، وعروة وعفراء”.

قال “نزار قباني في هذا الكتاب: “قبل هذا الكتاب، كان العشاق العذريون في تصورنا أنقياء كالملائكة، معصومين كالقديسين. ويأتي “صادق جلال العظم” في هذا الكتاب ليمزق القناع عن وجوه العشاق العذريين، وليكشف بالمنطق والفكر الفلسفي العميق أنهم كانوا في حقيقتهم نرجسيين وشهوانيين …”.

مقالات ذات صلة

إغلاق