سورية الآن

سورية.. وسجال المناطق الآمنة

يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه يريد «مناطق آمنة» في سورية. وهدفه هو الإبقاء على النازحين، الذين قد ينضمون إلى اللاجئين السوريين الذين يناهز عددهم 5 ملايين حاليًا، داخل حدود بلدهم. ولكن ما الذي قد يستطيع تحقيقه؟ لعل أول شيء ينبغي لرئيس جديد أن يدركه هو أن إقامة منطقة آمنة يقتضي توفير حماية قوية تتولاها قوات برية وجوية. وهذا هو ما يميزها عن «منطقة قاتلة».

والواقع أن قوة برية محترفة مشكّلة من «ائتلاف راغبين» بقيادة الولايات المتحدة هو شيء لطالما دعا إليه كاتب هذه السطور. وهذا الأمر يشمل قوات قتالية أميركية إلى جانب قوات برية من بلدان مثل تركيا والأردن وفرنسا والسعودية والإمارات والبحرين. وإذا كانت البلدان الثلاثة الأخيرة قد تطوعت منذ مدة بقوات لمحاربة تنظيم «داعش»، فإن إقناع البلدان الأخرى بالمشاركة سيتطلب جهودًا دبلوماسية حثيثة. غير أنه إذا كان تنظيم «داعش» يمثل التهديد الذي تقول إدارة ترامب إنه يمثله – وكان سكان باريس وبروكسل وإسطنبول وأنقرة، الذين اكتووا جميعًا بنار هجماته الإرهابية، يتفقون مع ذلك – فلماذا تُعهد مهمة القضاء عليه لأفراد مليشيات؟

غير أنه إضافة إلى وضع مهمة دحر «داعش» بين أيدي محترفين عسكريين، يجب أن يأخذ مخطط «البنتاجون» لشمال سورية عددًا من العوامل الأخرى في عين الاعتبار، ذلك أن الحملة العسكرية ينبغي أن تغطي كل شرق سورية (وليس الرقة فقط)، بحيث يتم القضاء على «داعش» في دير الزور وكل سورية. كما أنه لا بد من مخطط لإرساء الاستقرار يقيم حكمًا محليًا في مرحلة ما بعد القتال. مخطط يمكن أن يستند إلى المجالس المحلية السورية التي أُرغمت على الاشتغال تحت الأرض من قبل «داعش»، والمعارضة الوطنية السورية، والموظفين المدنيين السوريين، و«قوات سورية الديمقراطية» في المناطق الخاضعة لها. وأخيرًا، يجب على القوات التي تهزم «داعش» أن تخطط لحماية برية وجوية دائمة من أجل المناطق المحررة.

غير أن الأمر لا يتعلق بهزم «داعش» فقط. فتحويل وسط سورية وشرقها من «خلافة» إلى منطقة آمنة يعني أيضًا منع قوات الرئيس بشار الأسد من دخولها، وذلك لأن السماح لنظام فاسد وقاتل بالحلول محل «داعش» سيؤدي بكل بساطة إلى تعبيد الطريق لعودة التنظيم المتطرف، الأمر الذي سيفضي في النهاية إلى تدافع المدنيين السوريين نحو تركيا والعراق طلبًا للجوء. وعلاوة على ذلك، فإن المنطقة التي يهاجَم منها تنظيم «داعش» حاليًا من قبل تركيا في وادي نهر الفرات قد تصبح أيضًا منطقة آمنة. وحاليًا، تواجه تركيا وحلفاؤها من الثوار السوريين صعوبة في طرد التنظيم الإرهابي من «الباب»، وهي بلدة كبيرة تقع شمال شرق حلب. غير أنه على افتراض أنه تسنى تحرير المدينة في نهاية المطاف، فإن تنظيم «داعش» سيكون قد طُهر من جيب مهم يمتد جنوبًا من الحدود التركية.

بيد أن إقامة منطقة آمنة ستتطلب وجودًا مهمًا ودائمًا لقوة برية تركية وغطاء جويًا يكمله ثوار سوريون وطنيون راغبون في محاربة المليشيات الشيعية، و«القاعدة»، و«داعش»، والأسد.

وفي محافظة إدلب، يمكن أن يلعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دورًا حيويًا في إقامة منطقة آمنة – إن كان راغبًا وقادرًا. فإذا استطاعت روسيا المساعدة على القضاء على أفراد مليشيات شيعية غير منضبطين بقيادة إيران وفرض وقف للأعمال العدائية في شمال غرب سورية، سيكون الثوار الوطنيون قادرين على فك الارتباط مع «جبهة فتح الشام» والتعاون مع واشنطن وموسكو لهزم «القاعدة» وحماية المدنيين.

غير أنه حتى تسير إدلب في اتجاه منطقة آمنة، سيتعين على روسيا الامتناع عن تنفيذ الضربات الجوية التي كانت تقوم بها في حلب، مع الحرص في الوقت نفسه على كبح جماح نظام الأسد وداعميه بقيادة إيران. ولكن، هل تقوم موسكو بذلك؟ وهل تستطيع؟ ثم هل يقوم الروس بفرض منطقة حظر طيران على نظام الأسد حالما تصبح «جبهة فتح الشام» من الماضي؟ وهل تتوافر ظروف تمكّن المعارضة السورية الوطنية من دحر «القاعدة»؟ الواقع أنه منذ قرابة ست سنوات والمدنيون السوريون مستهدَفون. ومنذ ست سنوات تقريبًا وهم يدفعون إلى جانب جيرانهم والأوروبيين الغربيين ثمن جرائم الأسد و«داعش». ولا شك أن عملية انتقال سياسي كاملة تُبعد الأسد عن الساحة يمكن أن تحوّل كل سورية إلى منطقة آمنة. ولكن إلى أن يحدث ذلك، يتعين على واشنطن وموسكو أن تعيدا النظر في استراتيجيتيهما بخصوص حماية المدنيين من أهوال الحرب وفظاعاتها.

(*) كاتب أمريكي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق