أدب وفنون

حيوات افتراضيّة من نوع خاص

ثم أوصدوا نوافذ حواسي الخمس

لا أعلم بدقة ما الذي أخافهم وأغضبهم إلى ذاك الحد، كما لا أستطيع على وجه اليقين أن أدرك الخطأ الجسيم الذي اقترفته، حتى هذه اللحظة! كل ما أثق فيه بوضوح، أن جزءًا من حياتي خرج عن سكة الوقت، وعاثت فيه العزلة أحلامًا باهظة التكاليف –وربما- غير قابلة للتحقق.

اكتشفت أن العالم الافتراضي، بالمعنى الأدق للكلمة، لا علاقة له بالتكنولوجيا الحديثة البتة، وتُشكّل الثورة المعلوماتية وجميع مصطلحاتها المنحوتة الموازية لها، سخافة -فحسب- أمامه. ومثلما في كل كشف جديد، تبدأ البحث عن أدلّة تدعم نظريتك الجديدة تلك، رعاة المواشي، والرُسل، والفلاسفة الأولون، وغيرهم، تصفّحوا الكون، أجروا محادثات عابرة وأخرى عميقة، راسلوا، شاركوا، تعجّبوا، حذفوا، أضافوا، وحدث أن نَفذَ رصيدهم -فجأة- أكثر من مرة.

إذن؛ من حيث المبدأ، الافتراضيّة أقدم وأعرق وأعمق من سطحية المصطلح وحداثته، ولها أنواع وأشكال مختلفة.

كل البشرية اليوم تمارس حياة افتراضية سطحية عامة -على نحو ما- إلا أن بعضهم اختبر، أو مازال يعيش افتراضية أخرى من نوع خاص.

  • افتراضية أخلاقية.

تنفتح شرّاقة باب المهجع “4”، تخترق فراغها يدٌ تحمل نصف رغيف خبز جافر، يستجدي صاحبها بذل “مكدوسة”، اشتمّ رائحتها في أثناء زيارة أحد نزلاء المهجع، يقدّم النزيل “المكدوسة” للرجل الذليل بكل طيب خاطر، مع ابتسامة واسعة صادقة. الرجل ذاته -الجلاد ذاته- كان قد أشبع ذلك النزيل ضربًا في صباح اليوم ذاته.

 

– افتراضية التقيّة

مدمنًا على لعب ورق اللعب (الشدّة)، و”الطرنيب اختياري” [نوع من لعب الورق]، يبحث كل مساء عن ثلاثة معتقلين عتيقين، بَصموا، أي انتهى التحقيق معهم، وليسوا مضطرين للاستيقاظ باكرًا، يجمعهم، يوزّع عليهم أوراق الشدّة بحسب الأصول، يختار بنفسه “الطرنيب”؛ بناءً على ما حظي به من ورق، ثم يخلّصهم، بمن فيهم شريكه، مستبدلًا بعض أوراقهم، مستكملًا سلسلة أوراقه، بحيث يضمن الـ ” أربطعش”، تبدأ اللعبة، يفوز بالـ “أربطعش” طبعًا، ويخسر اللاعبون، يعلن فوزه عليهم بـ “الدق” [اللعبة]، يعيد الكرّة، وبالطريقة نفسها؛ ليفوز في كل فتّة [كل مرة يوزع فيها ورق اللعب]، معلنًا ربحه “البرتية” [لعبة كاملة]، ثم يتهمهم بالغباء، وبأنهم حمير لا يتقنون لعبة الـ “الطرنيب”، يعيدهم إلى مهاجعهم راضين مبتسمين، ويذهب للنوم هانئًا، منهيًا ليلته ضابطًا مناوبًا منتصرًا ظافرًا.

 

– افتراضية فراغيّة

بعد انتهاء حفل الشتائم والضرب والسباب، “مطمّشًا” [معصوب العينين] تُجرّ -في أحسن الأحوال- من يدك، وتلقّم [تُرشَد] لدرجة السلّم الأولى، بعدئذ تُترك؛ لتكمل طريق عودتك، نزولًا إلى مهجعك بمفردك، تمامًا كالدّابة التي تعرف درب زريبتها بدقة.

منتصف الدرج الهابط نحو الأقبية، عند العتبة السادسة والعشرين تمامًا لجهة اليسار، غرفة سيدي أبو أسعد، ثلاث ليالٍ أسبوعيًا يجلس فيها خلف مكتبه كالصفر المنتظر أن يصبح عشرة، كأن ناَبَالم العدو الغاشم قد “حطّ” على رأسه في حرب الاستنزاف، فحول فروة رأسه إلى ما يشبه حقل القمح المسروق على عجل، وصبغ جلد قرعته بألوان عيد الفصح.

يأتيك صوته بغتة: ” تعال يا ابني، شو مستعجل على هالسبع نجوم اللي رايح تقعد فيه؟!، شيل “الطماشات”، يلاحظ أنك تتلكأ، فيضيف: على مسؤوليتي يا ابني”.

في اللحظة الأولى لرفعك “الطماشات” عن عينيك لا ترى أمامك إلا كتلة خضراء كبيرة، نبغت في قمتها كرة حمراء صغيرة غير منتظمة، كزهرة شقائق النعمان التي هتكتها الريح، طبعًا تدرك تمامًا ماذا يريد سيدي أبو أسعد منك، فقد قام بممارسة تلك التجربة عليك أكثر من مرّة.

” شايف هالخابية؟ كيفك فيّا؟”.

هنا؛ عليك أن تبحث عن صفات متميزة وجديدة؛ كي تمدح الجرّة الفخارية التي تشبه كل جرار العالم العربي وأنطاكيا وسائر المشرق.

” كيّسي هالجرة ما كيّسي؟ عيّن عيّن، أ بتخِر، و أ بتشِر و أ بتزرزب مي”

رائعة إنها جرّة رائعة سيدي أبو أسعد.

” شراب شراب وعطيني رأيك، بحضّي خرج ترقع مِوّال بعد أول مجّة من هالمي”.

بعد أن يطرب سيدي أبو اسعد لكلمات مديحك لجرّته ومائها، يعطيك أمره المعهود:

” يلا، إلى النومُ ولا كِر”.

دائما ينهي سيدي أبو أسعد هذا الاختبار، بشبه الجملة التي يحرص على نطقها باللغة العربية الفصيحة، مصرًا على رفع الاسم المجرور فيها.

في تلك الحياة الأخرى، تُوصد نوافذ حواسك الخمس، لتعيش حياة افتراضيّة من نوع خاص، افتراضية سوريالية متعددة الأشكال والألوان لا يعرفها، “سلفادور دالي” ولا حتى المستر “مارك”.

مقالات ذات صلة

إغلاق