سورية الآن

في أوربا.. ملامح الدولة الأمنية ترسم خرائط مواجهة الإرهاب

حين جلس حسن على مقعده في الطائرة المتجهة من فيينا إلى جاتويك، أرسل -على الفور- رسالة يطمئن فيها زوجته: “لا تقلقي.. الطائرة تأخرت قليلًا عن موعد الإقلاع”.

كان استخدامه للحروف العربية، كافيًا ليلفت انتباه سيدة تجلس في الجهة المقابلة، سرعان ما غادرت مقعدها وعادت بعد لحظات، ومعها الشرطة. طُلِب من حسن أن يغادر الطائرة، واحتُجز لأربع ساعات، صُودر هاتفه، ثم تُرك في المطار من دون أن يُمنح تذكرة بديلة أو يُرَدّ له ثمن تذكرته.

وعلى غراره استخدم آدم اللغة العربية أيضًا، عندما تحدث إلى والدته، وهو على متن رحلة لشركة “دلتا” الأميركية، فتعرض هو الآخر لشتائم بعض المسافرين، قبل أن يقوم الحرس بطرده خارج الطائرة.

في السياق نفسه، عانى سوريون وعرب ومسلمون، في مناطق أوروبية مختلفة، من إساءات متنوعة، واعتُقل بعض الأطفال، وجرى التحقيق معهم، لأن لعبهم بمسدسات بلاستيكية.

وفي استطلاع أجراه -أخيرًا- “المعهد الملكي للشؤون الدولية” في لندن، شمل 10آلاف مواطن، تبين أن ‏55 في المئة من الذين شاركوا، ويمثلون دول: بولندا، هنغاريا، بريطانيا، النمسا، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، اليونان، ألمانيا، وبلجيكا، يؤمنون بوجوب إيقاف هجرة المسلمين. ووفق المعطيات، فإن الغالبية التي تعارض وجودهم: بولندا ‏71 في المئة‏، ألمانيا ‏53 في المئة‏، بريطانيا ‏47 في المئة‏، وإسبانيا ‏41 في المئة‏.

اقتران الوقائع المذكورة آنفًا، وغيرها، بتصاعد شعبوية الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة، وتنامي مشاعر معاداة اللاجئين، وتنميط المسلمين ومجتمعاتهم، يعكس إمكانية تحول صلاحيات الطوارئ والتدابير الوقائية التي اعتمدها الأوربيون؛ ردًّا على الإرهاب الذي ضرب بعض مدنهم، أو التهديد بشن اعتداءات عنيفة، إلى أداة تستهدف فئات معينة، لأسباب لا تمت إلى التهديد الفعلي للأمن القومي بصلة.

القانون الدولي لحقوق الإنسان ينص بوضوح على أنه لا ينبغي تطبيق التدابير الاستثنائية إلا في الحالات الاستثنائية فعلًا، وتحديدًا في أوقات الحرب، وغيرها من أوضاع الطوارئ العامة التي تهدد “حياة الأمة”.

لكن أوروبا الراهنة، تعيش -اليوم- وجهة نظر مغايرة، فالجهد الذي يُبذل من أجل تيسير إعلان “حالة الطوارئ”، وتمديدها، بات أحد أكثر التطورات المثيرة للقلق، إذ تُدرج تدابير الطوارئ ضمن القوانين الجنائية العادية إدراجًا دائمًا، على الرغم من أنها تدابير موقتة، مثلما يُفترض.

وتشكل الموجة الأخيرة من إجراءات مكافحة الإرهاب، خرقًا لأحد مبادئ الاتحاد الأوروبي التأسيسية، وهو مبدأ عدم التمييز؛ إذ أُثبت أنها تمييزية الطابع، وأن لها تبعات سلبية عميقة، وغير متناسبة بحق بعض الفئات، وخصوصًا المسلمين، أو الأجانب، أو الأشخاص الذين يُعتقد أنهم من المسلمين أو الأجانب.

اللافت أن تتحول الصلاحيات التي وُضعت؛ لتكون استثنائية أصلًا، بعد أن قتل وجُرح بين كانون الثاني/ يناير 2015، وكانون الأول/ ديسمبر 2016، مئات الأشخاص في موجة من الهجمات الإرهابية، إلى سمة أشبه بالدائمة، عشية ظهور مقترح يدعو إلى إضافة تدابير جديدة، تدعم صلاحية السلطة التنفيذية، لكنها تكفل تآكل سيادة القانون، وتلغي الضوابط القضائية إلغاءً متدرّجًا، وتجعل الجميع عرضة لرقابة حكومية.

منظمة العفو الدولية، في تقرير لها بعنوان “اختلال خطِر.. التوسع المستمر لمفهوم الدولة الأمنية في أوروبا”، نُشر قبل وقت قصير، ترى أن الخصائص الرئيسة المشتركة لمبادرات مكافحة الإرهاب في دول الاتحاد الأوروبي، تفضي -على الأغلب- إلى تقييد الواجبات المتعلقة بحقوق الإنسان. وإلى تجميع الصلاحيات بأيدي السلطة التنفيذية، ووكالاتها، وأجهزة الأمن والمخابرات. في الوقت الذي تغيب فيه آليات الرقابة المستقلة، أو عدم فاعليتها، لرصد تنفيذ تدابير وعمليات مكافحة الإرهاب. علاوة على اعتمادها تعاريف غير دقيقة وفضفاضة لمصطلح الإرهاب في القوانين. متحولة في التعامل مع معايير الإثبات، من المعيار التقليدي القائم على وجود “شبهة معقولة” إلى اعتماد “الشبهة” -فحسب- للأخذ بالذنب. إضافة إلى تجريم أشكال مختلفة من التعبير عن الرأي، لا تستوفي معايير التحريض على العنف، وتشكّل تهديدًا للاحتجاج المشروع، وحرية التعبير.

من الواضح أن بعض الدول تتذرع ببواعث قلق تتعلق بأمنها القومي، كي تتعسف في استهداف المهاجرين واللاجئين، والمدافعين عن حقوق الإنسان. فقد شهدت السنتان الماضيتان تحولًا جذريًا في نمط التفكير هذا، فمن نظرة تصور دور الحكومات على أنه يقتصر على توفير الأمن؛ كي يتسنى للناس التمتع بحقوقهم، إلى نظرة أخرى، تقول بوجوب تقييد الحكومات حقوق الأشخاص؛ من أجل توفير الأمن. في محاولة لإعادة رسم ملامح الحدود الفاصلة بين صلاحيات الدولة وحقوق الأفراد.

يقدم تقرير منظمة العفو الدولية، عبر تفاصيل مشهد الأمن القومي، ومدى انتشار وعمق “تحول أوروبا نحو التركيز على الأمن” منذ عام 2014، صورة عالم، تعمل فيه عوامل الخوف والانعزال والتعصب لتفتيت ركائز الاتحاد الأوروبي المتمثلة بالإنصاف والمساواة وعدم التمييز. كما يورد أمثلة تبرهن على انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان، مستخلصة من سلوك 14 دولة، من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن مبادرات مكافحة الإرهاب التي أُطلقت على مستوى الأمم المتحدة، أو مجلس أوروبا، أو الاتحاد الأوروبي. وتشمل قائمة البلدان كلًا من النمسا، وبلجيكا، وبلغاريا، والدانمرك، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، وإيرلندا، ولوكسمبورغ، وهولندا، وبولندا، وسلوفاكيا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة.

صحيحٌ أن المهمات الجوهرية لأي حكومة من الحكومات تتضمن صون الحق في الحياة، وتمكين الناس من العيش والتنقل والتفكير بحرية، لكنها ليست مهماتٍ يجوز تحقيقها بأي وسيلةٍ كانت. وعلى نحو مهم، فلا يجوز أو ينبغي تحقيقها بالتعدي على الحقوق نفسها التي تزعم الحكومات أنها تصونها وتدافع عنها. “يختم التقرير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق