هموم ثقافية

التشبُّه بآلهة

من حقّ السوريين –بالذات- أن يتبادلوا -في مواقع التواصل الاجتماعي- تعليقات الدهشة والإعجاب والذهول في أثناء متابعتهم فيديوهات حضور رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، في الأماكن الشعبية المختلفة، من أسواق وشوارع وملاعب وغيرها، ومشاركة الناس مشاغلهم، أفراحهم وأحزانهم، وتفاصيل حياتهم اليومية، وما إلى ذلك، مما بات معروفًا عن شخصية رئيس الوزراء هذا.

من حقّ السوريين بالذات؛ لأنّ تماثيل الأسد البرونزيّة والحجرية التي أمر بتوزيعها على مختلف ساحات المدن السوريّة؛ فيها من الحركة والنشاط الآدمي أكثر مما شاهده الناس على شاشات التلفزيون من شخص المذكور آنفًا، ويُفترض أنه من لحم ودم.

إذ لم يُرَ المذكور -يومًا- وهو يهرش رأسه، أو أرنبة أنفه، أو يحكّ كتفه، أو يرفع بضع شعرات تدلت على جبينه… مما يقوم به البشر بعامة، مسؤولين كانوا أم من عباد الله الصالحين.

ولم يُرَ المذكور -لحظة- وهو يحفن بملعقةٍ الطعامَ من صحنه ويتناوله، أو يرفع كأس ماء أو عصيرٍ ويشرب ما فيها، أو يحتسي جرعة واحدة مما فيها، أو يقطع بسكينه لحمًا أو شحمًا على مائدة دولة مضيفة له، ولا على موائد قصره التي يمدّها لضيوفه الأجانب أو العرب.

ولم يُرَ المذكور -مرّة- يضع ساقًا على ساق في أثناء حديث له مع رئيس آخر، أو رئيس وزراء، أو مندوب منظمة، أو صحافي. ولا حدث أن تنحنح، أو غالب تثاؤبًا أو ازدرد ريقه… لأسباب يأتي ذكرها، ليس من بينها الاحترام أو التقدير أو التأدّب.

ولم يُرَ المذكور -ذات يوم- في استجمام له على شاطئ، أو ممتطيًا ظهر حصان، أو فوق  درّاجة هوائيّة، أو متمشّيًا في حديقة، أو غابة، أو ممارسًا لرياضة ما، من أيّ نوع من أنواع  الرياضات.

ولم يُرَ المذكور -في يوم عطلة- مصطحبًا زوجته وأبناءه إلى منتزه أو شاطئ، أو ممازحًا وملاعبًا أطفاله الصغار، أو حتى ماشيًا مع أفراد أسرته، مشي فحسب، من دون ملاعبة وممازحة.

ولم يُرَ المذكور -في أيّ مناسبة كانت- بقميص نصف كمّ، أو بآخر ملوّن، أو بلباس صيفيّ غير رسميّ جدًا. مثلما لم يُرَ ضاحكًا، أو مطوّحًا بيده، أو معبّرًا بحركة حاجبيه، أو هامًّا بالجلوس، أو الوقوف… مما يجري للبشر بعامة، ونراه من قادة ورؤساء دول، وحتى من بعض الديكتاتوريين.

ألم يُصرّح أحد الرؤساء الأميركيين (جيمي كارتر على ما أذكر) للصحافيين في واشنطن، بأن الأسد قد أثار استغرابه وتعجّبه الشديدين، لا من تحليلاته ورؤاه السياسية وأبعادها .. بل -حصرًا وتحديدًا- من جرّاء جلوسه على هيئة واحدة، ووضعيّة وحيدة، طوال ساعات ست من المحادثات بينهما، كان الرئيس الأميركيّ -خلالها- قد تحرّك مرّات، وغيَّر من وضعيات جلوسه مرّات، بل وقضى حاجة له، من دون أن يلحظ أيّ حركة أو تبديل من هيئة ووضعية جلوس الأسد التي اتخذت شكل حرف L باللغة الإنكليزيّة.

هذا ملمح من ملامح شخصيّة طاغية سورية السابق، الذي كان -ووسائل إعلامه معه، بالطبع- يحرص أشدّ الحرص على التشبّه بالآلهة، وتقديم نفسه وشخصه على أنه ليس إنسانًا عاديًّا، لا للناس المحكومين بطغيانه فحسب، وإنما -أيضًا- لأعضاء أعلى هيئة سياسيّة -القيادة القطريّة- التي لم يكن يجرؤ أحد منهم على ذكر اسمه الصريح، والاكتفاء بالقول مثلًا: “الأوامر جاءت من فوق” و ” طالبونا فوق”… وهكذا دون أيّ غلط .

بعد هذا، هل يمكن تصوَّر ما الذي اجتاح ورثة الطاغية، ممن لم يجرؤوا على التلفظ باسم مقدَّسهم، وهم يرون إلى ثورة شعبية تنهض ضد الطغيان والطاغية، بحيث لم يجدوا أمامهم سوى التدمير والمجازر إنتقامًا، أخيرها وليس آخرها مجزرة المسلخ البشري؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق